2008/10/19

نعم، مرة اخرى واخرى، المقاومة العراقية تتقدم وتنتصر - 7 الجزء الاخير



بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الفشل في التخطيط يقود إلى التخطيط للفشل

مثل عالمي

شبكة البصرة

صلاح المختار

شهادات غربية : عودة الامن كذب

(عودة الأمن علاقات عامة لا أكثر ولا أقل) هذا العنوان هو عنوان مقال كتبه مراسل صحيفة الإندبندت البريطانية قال فيه : (نادراً ما يدرك الزوّار الكبار للمنطقة الخضراء في بغداد سواء جورج بوش أو توني بلير أو باراك أوباما مدى سعة حجم العمليات العسكرية المطلوبة لحمايتهم ولتأثير ذلك على العراقيين. من هنا يعتقد الزائر أنّ هناك حالة طبيعية في بغداد. ففي زيارة جون ماكين العام الماضي طلبت السفارة الأمريكية من موظفيها الذين يظهرون إلى جانب ماكين في الصور والأفلام عدم ارتداء الصدريات الواقية من الرصاص ولا الخوذ التي تحمي الرأس كي لا تظهر أوضاعهم مناقضة لتصريحاته عن التقدم الأمني).

ويتابع المراسل قائلا : (وعندما زار بغداد نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني منعت أصوات صفارات الإنذار في المنطقة الخضراء والتي عادة ما تنذر قبل ثوان من هجوم صاروخي. فقد اعتقد المشرفون على زيارة تشيني أنّ سماع مشاهدي التلفزيون في أمريكا أصوات صفارات الإنذار قد يجعلهم يشكون في صحة الأخبار عن التقدم الأمني في العراق كما يدّعي نائب الرئيس). أما عند زيارة باراك أوباما في 21 تموز الماضي فقد أغلقت معظم مناطق بغداد المركز لضمان سلامته لكنه في الحقيقة كان داخل المنطقة الخضراء. وقد تم وقف تحرك السيارات في منطقة الكرادة شرق بغداد من الساعة الثانية عشر والربع ظهراً حتى الساعة السادسة مساء في صيف بغداد الحار جداً. ويقول (كيلان) من سكنة بغداد : "كانت هناك طائرات هليكوبتر تحمي السماء وأغلقوا شارع أبو نواس قبالة المنطقة الخضراء وفتشوا البيوت في المنطقة. ثم انتقلوا إلى فندق بابل واتخذوا مواقعهم على أسطح البنايات. " صحيفة الاندبندت البريطانية (8 – 8 – 2008).

اذا اكتفينا بهذه الشهادة البريطانية الموالية للاحتلال، تنكشف امام نواظرنا اكذوبة تحسن الامن وتظهر حقيقة الترتيبات الهوليوودية لكل زيارة لمسؤول امريكي او بريطاني الى المنطقة الخضراء وكونها لا تتم الا بعد اجراءات عسكرية شاملة وامنية عميقة. وهنا يجب ان نعيد التذكير بحقيقة معروفة وهي ان كل خروج من المنطقة الخضراء لمسؤول كبير في الحكومة التي نصبها الاحتلال، مثل ما يسمى رئيس الجمهورية، يتطلب حتما اخبار القوات الامريكية قبل 24 ساعة على الاقل لتأمين الحماية البرية والجوية له!

تحذير من خطورة الانشغال عمّا يجري في العراق

ان التعتيم على اخبار المقاومة العراقية لم يعد سرا بل اصبح الجهر به متكررا وعلنيا، فصحيفة (الراي الكويتية) تحذر من مخاطره وتقول : (يجري تسليط الضوء مجدداً في وسائل الإعلام البريطانية على الوضع الداخلي في العراق وسط تحذيرات شديدة من أن العالم يتجه نحو الالتهاء عن خطورة الأزمة العراقية ونتائج الحرب التي ما زالت دائرة هناك وأثرها على العالم والانشغال بقضايا أخرى متنوعة).

وتساءلت صحيفة « الغارديان »، في مقال لأحد أبرز محرريها جيمس دينسلو « هل نحن نواجه خطر نسيان ما يجري في العراق »؟

وأشارت إلى دراسة أعدتها صحيفة « النيويورك تايمز » حول تغطية أخبار العراق في وسائل الإعلام الأميركية المرئية أوضحت أن حجم التغطية انخفض في النصف الأول من العام الحالي من 1157 دقيقة في الأسبوع خلال عام 2007 إلى 181 دقيقة في الأسبوع خلال الأشهر الستة من العام الحالي. ومع أن « نيويورك تايمز » عزت هذه الظاهرة إلى انشغال الرأي العام ومعه وسائل الإعلام في الحملة لانتخابات الرئاسة الجارية في الولايات المتحدة، إلا أن هذه الظاهرة تشمل بلداناً أخرى لا علاقة لها بحملة الانتخابات الأميركية. وهذه الحقيقة التي كشفت عنها صحيفة النيويورك تايمز تؤكد ان التعتيم على عمليات المقاومة العراقية ليس مجرد سياسة تقتصر على امريكا بل هو سياسة متفق عليها في اكثر البلدان الغربية.

تتابع الصحيفة كشف طبيعة هذا التعتيم المخطط قائلة : (علاوة على ذلك فان أن أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي تتابع أخبار العراق عادة من خلال وسائل الإعلام الأميركية، خصوصا فضائيات مثل « سي إن إن » و « اي بي سي » و« ان بي سي » وغيرها التي تحظى بشعبية واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، والتي قامت بتخفيض أوقات البث المخصصة للعراق وحجبت عن الرأي العام العالمي الكثير من المعلومات المتعلقة بالوضع هناك).

ونقلت « الغارديان » البريطانية عن لارا لوغان، كبيرة المراسلين الأجانب في فضائية « سي بي إس » الأميركية أنها أصبحت خلال الفترة الأخيرة « مضطرة لتوجيه قذيفة صاروخية لرئيس القسم الاخباري من أجل السماح لها ببث قصتها عن العراق ». ووفقاً للصحيفة، هناك شعور لدى العاملين في وسائل الإعلام، خصوصا في وكالات الأنباء، بأن تغطية الصراع في العراق وصلت حد الإشباع. لكنها قالت ان هذا ليس هو السبب الرئيسي في هذه المشكلة وعزتها إلى التكلفة المالية الباهظة للتغطية من داخل العراق والتي تشكل، بالإضافة إلى ذلك، خطراً على حياة المراسلين في بغداد. مشيرة إلى أن عدد الصحفيين الذين قتلوا في العراق منذ بداية الحرب في مارس 2003 وصل إلى 129 صحفيا.

في هذه الفقرة فان الغارديان لا تؤكد وجود التعتيم المتعمد على اخبار العراق بل هي ايضا تؤكد ان العمليات تتصاعد ولا تنخفض من خلال الاعتراف بان حياة الصحفيين مهددة نتيجة الاوضاع الامنية الخطيرة في العراق،

ونقلت « الغارديان » عن باتريك كوبرن مراسل الصحيفة المنافسة لها « الإندبندنت »، قوله أن «لا صحة لما يدعيه السياسيون بأن الوضع في العراق أصبح أمناً أكثر، ونحن الصحافيون لسنا قادرين على إثبات عكس ما يقولونه من دون أن نُقتل أو نُخطف ».

(صحيفة العراق الالكترونية 28/6/2008).

اذن التعتيم على اخبار العراق والذي تشترك فيه عمدا القنوات التلفازية العربية ماهو الا خطة امريكية تفرض على الاعلام العالمي التابع لامريكا كله من اجل تأكيد الادعاء الامريكي بان المقاومة العراقية قد تراجعت!

ووصل حد التعتيم على اخبار الثورة العراقية المسلحة حد قيام قوات الاحتلال بمنع او طرد الصحفيين الغربيين بالذات حينما يحالون كشف الحقيقة في العراق!

وتحت عنوان (قوات الاحتلال الامريكي تطرد صحفيا غربيا من العراق لنشره عملية للمقاومة العراقية) عممت وكالة الاخبار العراقية تقريرا (يوم 15/08/2008) قالت فيه : اقدمت قوات الاحتلال الامريكي على طرد الصحفي الغربي ميلر وذلك لتصويره عملية للمقاومة العراقية ونشرها على موقعه الالكتروني. ففى نهاية يونيو/حزيران الماضى كان ميلر يرافق دورية لجيش الاحتلال الأمريكى فى محافظة الأنبار ضمن مجموعة أخرى من الصحفيين الذين تحملهم السيارات العسكرية الأمريكية لكى يكتبوا ويصوروا ما يتفق مع الدعاية الأمريكية وإيصال أخبار إيجابية عن الحرب إلى الولايات المتحدة بعد أن تراجعت شعبية الحرب بشكل كبير. وتابع التقرير قائلا نقلا عن موقع ميلر إن الدورية الامريكية توقفت فى مكان كان قبل وقت قليل على ما يبدو ساحة قتال عنيف ودلت الأثار على وقوع تفجيرات فيه أدت إلى مقتل عشرين شخصا بينهم ثلاثة جنود أمريكيين. قفز ميلر على الفور من العربة العسكرية الأمريكية ليلتقط صورا للأشلاء والجنود الجرحى وبقع الدم وبعد ثلاثة أيام نشر هذه الصور فى موقعه الإلكترونى ورسالتها كانت واضحة : الحرب ما زالت مستمرة فى العراق. كان ذلك بداية النهاية لمهمته فى العراق. فقد طلبت قيادة الجيش الأمريكى فى العراق أن يغادر ميلر البلد على الفور وطلبوا منه حذف صور الجنود الأمريكيين القتلى والجرحى المعروضة على موقعه الإلكتروني. وعندما حاول الاعتراض بحجة حرية الصحافة والتعبير عن الرأى وإقناع قيادة الجيش ببقائه أجبره عدد من الجنود على حمل متاعه وأخطروه أنه خسر اعتماده كمصور صحفى فى العراق وقاموا بإبعاده.

وهنا يجب التذكير بحقيقة ربما غابت عن اذها الكثيرين وهي ان الاحتلال الامريكي قبل بدءه اعد عسكريا وامنيا مئات الصحفيين الامريكيين لتغطية عمليات الغزو القادمة ووضعهم في دبابات مع القوات الامريكية لتصوير الغزو من وجهة نظر امريكية صرفة ومنع اي تغطية لا توافق عليها القيادة العسكرية، واطلق على هذا النوع من الصحفيين الصحفيين المدمجين –Embodied - بالقوات المسلحة والتابعين لها، والذين لا يملكون حرية التغطية الاعلامية، وهذه الواقعة تفضح حقيقة ان التغطية الاعلامية لغزو العراق قبل بدءه وبعد حصوله كانت خاضعة للقوات المسلحة ولا تتمتع باي قدر من الحرية.

ان السؤال المهم هنا هو : اين حرية الاعلام؟ اين ليبرالية الاعلام التي تمنع تدخل الدولة في عمل الاعلام؟ ان هذه الواقعة تؤكد بالملموس بان حرية الاعلام في الغرب، كحرية الاقتصاد، خاضعة لمبدأ صارم ومتحكم وهو ان ما يضر او يهدد النهب والاستغلال الرأسماليين ممنوع!

واقع المقاومة العراقية

ورغم كل هذه العمليات المخططة بدقة للتعتيم على اخبار الثورة المسلحة في العراق، وهو ما اشرنا الى بعض مظاهره، فان المقاومة العراقية تقدمت وكسرت الكثير من جدران العزل من خلال عملياتها المتواصلة والكبيرة والكثيرة. ولكن ولكي نفهم الواقع العراقي المعاش علينا ان ندقق في المتغيرات التي حصلت في العراق منذ عام 2006، وهي كثيرة ومهمة، وانعكست عل المقاومة، ففي عام 2008 تميزت المقاومة بخصائص مختلفة عن الخصائص التي ميزتها حتى عام 2005، فما هي اهم الخصائص الجديدة للمقاومة العراقية؟

لقد حصلت تحولات مهمة في اوضاع المقاومة العراقية نتيجة لحصول تغييرات في طبيعة المعارك في العراق في عامي 2006 و2007، وهي تغييرات طبيعية ضمن سياق تطور الثورة العراقية المسلحة، ومن اهمها :

1 - التزام المقاومة العراقية الوطنية منذ عام 2006 بسياقات واساليب حرب العصابات التقليدية، واهمها (اضرب واهرب)، وتجنب اساليب القتال التي سادت منذ غزو بغداد وحتى عام 2005، واهمها العمليات (الاستعراضية) القائمة على خوض معارك ضخمة مع الاحتلال الامريكي بطرق الحرب الكلاسيكية، التي كبدت المقاومة خسائر باهضة في الكادر المتمرس عسكريا وسياسيا وفي العتاد العسكري وكان يجب تجنبها، خصوصا بعد ان اكدت المقاومة العراقية بين عامي 2003 و2005 انها القوة الاساسية المقررة في العراق لذلك، لم تعد بحاجة لاثبات الوجود عبر عمليات عسكرية باهضة التكاليف بشريا وماديا، كما حصل في معركتي الفلوجة الاولى والثانية في عام 2004.

2 - تراجع كبير وواضح في الدور القتالي لبعض العناصر الاسلاموية نتيجة عزل الشعب لها بعد اشهارها لسلاح التكفير بوجه المجاهدين الاخرين وابناء الشعب العراقي، ومحاولتها فرض انماط من الحياة مرفوضة بشدة من قبل الشعب العراقي.

3 - رفض هذه العناصر التكفيرية، بعد ان وصلت الثورة المسلحة الذروة في عام 2005، توحيد المقاومة عسكريا مما ادى الى عدم توسيع نطاق المقاومة بشكل يعجل بتحرير العراق، ومن المؤسف ان هذا الرفض مازال مستمرا حتى الان نتيجة التربية العقائدية الدوغمائية والامية، او شبه الامية، التي تقوم على اقصاء وتدمير الاخرين حتى لو كانو مجاهدين، باسم اسلام مزيف وزائف لا يخدم الا الاحتلال!

4 - واخيرا وليس اخرا الانخفاض الكبير في جرائم فرق الموت الامريكية نتيجة قرار امريكي بتوفير حالة من الهدوء النسبي لامرار اتفاقية النفط والغاز وضمانتها العسكرية والاستخبارية وهي الاتفاقية الامنية، واقتران ذلك بتراجع اكبر في عمليات فرق الموت الايرانية نتيجة القرار الامريكي بتحجيم النفوذ الايراني في العراق. ويجب ان نتذكر بان عمليات القتل الجماعي للعراقيين والفلتان الامني كانا قرارا امنيا امريكية في مرحلة معينة، وهو قرار فرض تعرض العراقيين لاسوأ نتائج الاحتلال وهو الابادة المنظمة للمدنيين لاجبارهم على الهجرة من العراق لتقليل عدد العرب وزيادة نسبة غير العرب، من جهة، ولفتح الطريق لاشعال فتنة طائفية من جهة ثانية. من هنا فان تراجع عمليات قتل العراقيين على يد فرق الموت الامريكية والايرانية كان تطورا مهما من الناحية الانسانية لصالح فكرة تحقيق الاحتلال (نجاح امني) نسبي كما وصفته مصادر امريكية.

هذه التغييرات ادت الى راجع كبير في عمليات الاغتيالات المنظمة للعراقيين والتي كانت تكلف يوميا قتل ما بين مائة ومائتي عراقي، الامر الذي جعل تراجع عمليات القتل الجماعي للعراقيين مؤشرا مضللا لتراجع العمل المقاوم! لنناقش الوضع الواقعي في العراق.

ان هذه التحولات ادت الى ما يلي :

1 - تغلب طابع الهجمات المنظمة، التي يقوم بها عدد صغير من المقاتلين، مستندة على قواعد حرب العصابات التقليدية، مثل (اضرب واهرب) و (تجنب المعركة حينما يكون العدو المبادر فيها ومستعدا لها)، و (لا تظهر تحت الضوء بل ابقى شبحا) الخ من قواعد حرب العصابات، وهذا التطور ادى الى انخفاظ عدد العمليات العسكرية التي تؤذي المدنيين العراقيين مع بقاء العمليات ضد قوات الاحتلال من جهة، والى المحافظة على كوادر المقاومة من الابادة الجماعية من جهة ثانية.

2 - واقترن ذلك ببروز حاجة الاحتلال الى أنجاز هدفين : هدف تحقيق نوع من الاستقرار النسبي لاجل تقديم وثيقة دولية مقبولة، وهي اتفاقية النفط والغاز والاتفاقية الامنية التابعة والحامية لها، وتحقيقا لهذا الهدف فان ابراز الفكرة الدعائية عن تراجع المقاومة كان ضروريا جدا لامرار الاتفاقيتين، فامرت امريكا فرق الموت التابعة لها بتقليص الاغتيالات الى اقصى حد ممكن. اما الهدف الاخر فهو ان امريكا ارادت تقليم اظافر ايران في العراق بعد ان تجاوزت الخطوط الحمر التي وضعتها لايران عند بدء الغزو، فشنت حملات عسكرية ضد النوع الاخر من فرق الموت الاجرامية، وهو فرق الموت الايرانية الاكثر قسوة ووحشية من فرق الموت الامريكية والاسرائيلية.

وهنا يجب ان نشير بوضوح تام وتنويرا للراي العام العربي، الذي يتعرض لعملية تضليل اخرى تكمل التضليل الامريكي، وهي ادعاء مرتزقة ايران ومارينزها العرب ان جيش المهدي يقاوم الاحتلال في العراق، يجب ان يعلم الجميع بان التيار الصدري وجيش المهدي التابع له مكونان من مجموعة من اللصوص والقتلة والمجرمين، وهما اهم واخطر ادوات ايران في العراق، وجيش المهدي، وبسبب طبيعته الاجرامية واللصوصية، كان مصدر تشكيل اكثر فرق الموت اجراما وخدمة للاحتلال خصوصا الاحتلال الايراني وبلا منازع، من بين كل القتلة في العراق بلا استثناء، كما انه الاشد حقدا على عروبة العراق والانشط في محاولة تمزيق شعب العراق طائفيا، واخيرا فان جيش المهدي يسبح في البحر الاكبر من دماء العراقيين العرب، خصوصا شيعة ال البيت الحقيقيين من مناضلي البعث في جنوب العراق، والذي فاق اجرامه وقسوته بمراحل فيلق بدر الايراني وكل المجرمين الاخرين من عملاء ايران وامريكا واسرائيل!

ان الجرائم التي هزت العراق اكثر من غيرها، في كل فترة الغزو، كانت جرائم جيش المهدي حيث ذبح بالسكاكين الصدئة عمدا عشرات الالاف من العراقيين، وما جرائم المجرم السادي الملقب ب(ابو درع) الا انموذجا للنزعة الاجرامية المتطرفة للتيار الصدري، خصوصا اثناء الهجوم الكبير الذي شنه على بغداد في عام 2006 تحت شعار علني وهو (تطهير بغداد من السنة وتحويلها الى مدينة شيعية خالصة)! وابتكر التيار الصدري طريقة طهي الضحايا من الاطفال والصبيان العرب في افران الخبز وتقديمهم الى اهاليهم مطهيين، مثلما ابتكر فيلق بدر شقيقه في العمالة لايران والجريمة المنظمة طريقة القتل البطئ بالدريل (المثقاب الكهربائي)، لذلك كان الكثير من العراقيين يتمنى ان يؤسر او يستشهد على يد الامريكيين وليس على يد عملاء ايران!!!

لقد ارادت امريكا توفير مناخ ملائم لتوقيع اتفاقية النفط والغاز وحاميها الاتفاقية الامنية فقامت بتخفيض عمليات قتل المدنيين من جهة وقامت بتقليم اظافر ايران عبر ضرب جيش المهدي لاجل تحميلها مسؤولية كل الجرائم في العراق مع ان امريكا هي الشريك الرئيسي لايران في الجرائم والطرف الذي وفر لايران وفرق موتها كل التسهيلات لمارسة قتل العراقيين، من جهة ثانية.

3 – عززت امريكا قدرة الجيش العميل العسكرية من اجل ان يقوم بعمليات ضد المقاومة والشعب بدعم مباشر منها، دون ان يصل هذا التعزيز الى حد القدرة على العمل بشكل منفرد ودون الاعتماد على الدعم الامريكي المباشر، وقد ادى هذا التطور الى تقليص خسائر امريكا وزيادة عدد الضحايا العراقيين.

4 - ان تشكيل مجالس الصحوات، القائم مباشرة على استغلال الاخطاء القاتلة للتكفيريين، ومنها استفزاز اعمق ما في العراقيين من مشاعر الكرامة فاهانوهم مباشرة باسم اسلام ساذج غريب عن الاسلام، فادى قيام الصحوات والمدعومة من قبل بعض من تعرضوا لاعتداءات التكفيريين، الى انخفاض عمليات التكفيريين، ونشوب نوع جديد مضاف من الصراع وهو صراع بين عراقيين وليس بين عراقيين والاحتلال، فانقسمت الصفوف لدرجة ان فصائل اسلاموية مقاتلة وجدت نفسها تتقاتل وتتشرذم داخليا وفيما بينها، وينضم عدد ليس بالقليل من كوادرها الى الصحوات، ويحول بندقيته من مقاتلة الاحتلال الى مقاتلة المقاومة العراقية! ونحن لا نريد ذكر اسماء التنظيمات حرصا على احترامنا لمشاعر من مازال وطنيا ويقاتل الاحتلال من هذه التنظيمات.

5 – وهذه الاخطاء والقتال الداخلي بين بعض فصائل المقاومة ادى الى ضعف موقف بعض العراقيين تجاه المقاومة وتوقفهم عن دعمها مع ان الدعم الشعبي هو الضمانة الاساسية في مواصلة المقاومة وتوسيعها، فانكمش نسبيا اهم اسباب توسع المقاومة وهو الدعم الشعبي.

6 – ان الفشل الحاسم للمخطط الامريكي - الايراني لاثارة فتنة طائفية في عام 2006 كان نتيجة سببين رئيسيين هما : الاول الافتضاح الكامل لهوية وحقيقة جيش المهدي وهي انه منظمة اجرامية طائفية حتى العظم وتخدم ايران مباشرة وبلا اي غموض او تردد، وثانيا ادراك الشعب العراقي ان بعض فصائل المقاومة ذات تكوين طائفي بنيوي، اي اصيل وغير قابل للاصلاح، فعزلها وتوقف عن دعمها. ان حلقة الطائفية المحكمة الاغلاق تضم داخلها الطرفين المعنيين بتدمير المقاومة العراقية وتحويلها من حركة تحرر وطني الى تيار طائفي هما الطائفية الشيعية والطائفية المقابلة لها والمكملة لدورها وهي الطائفية السنية.

7 – بلور الشعب العراقي يقينا صحيحا، بعد تجربة مريرة، دامت حوالي ثلاثة اعوام (2003 – 2006)، يقول بان التيارات الاسلاموية الشيعية والسنية كانت مصدر بلاء العراق من خلال لعبها للدور الاهم في دعم الاحتلال واستمراره واشعال الفتن الطائفية وشق المقاومة المسلحة، من هنا فان الضمانة الاساسية لتواصل الثورة المسلحة ونجاحها وتحرير العراق هي وحدة القوى والفصائل الوطنية والقومية التقدمية التي تقوم ايديولوجيها على الانتماء الوطني والقومي وليس على الانتماءات السابقة للامة او الوطنية، كالطائفة والعشيرة والعرق...الخ، وعلى مبدأ المواطنة المتساوية وبغض النظر عن الدين والطائفة والانتماء الاثني. لذلك، وبعد تجربة مرة وخطيرة، فان الكوادر الوطنية والقومية الاسلامية الحقيقية المقاتلة في صفوف التكفيريين، وهي كانت تشكل الاغلبية فيها، انسحبت وشكلت جيوشا جديدة في عامي 2007 و2008 ذات طبيعة وطنية وقومية تقوم على الاسلام الحقيقي وليس على اسلام تكفيري يقسم ويشرذم الشعب ومقاومته المسلحة.

ونتيجة لهذه الحقيقة برزت المعادلة التالية : في حين تراجع دور التكفيريين في المقاومة بصورة كبيرة، بعد ان وصل ذروته في عام 2006، فان دور القوميين العرب في المقاومة عاد الى سابق عهده، اي في بداية انطلاق المقاومة العراقية المسلحة على يد التيار القومي، فتوسع مجددا واصبح هو الدور الاساسي والحاسم، وتجسد ذلك في الاصطفاف الجديد لفصائل المقاومة في عامي 2007 و2008. وهذا التطور، الذي ادى الى احياء امل العراقيين في تحرير العراق وتجنب الفتن الطائفية التي اراد التكفيريون السنة والشيعة اشعالها، عزز دعم الشعب للقوميين العرب ووسعه خصوصا بعد ان تبلورت قناعة لدى الشعب العراقي بغالبيته الساحقة تم التعبير عنها علنا، ودون تردد، وهي ان وحدة المقاومة المسلحة وقدرتها على تحرير العراق لن يتم الا بواسطة الحركة الوطنية والقومية، التي تعد (القومية العربية جسد روحه الاسلام)، ولا تفصل بينهما وترفض بقوة فكرة وجود تناقض مفتعل وخطير بينهما، كما يفعل التيار التكفيري.

8 – على المستوى السياسي فان مرور اعوام على الاحتلال، في ظل كوارث التصفيات الدموية الجماعية للعراقيين ومحاولات تقسيمهم والتهجير المنظم للملايين، والتي اقترنت بفشل ذريع وصارخ وواضح لمحاولات اقامة احزاب او تجمعات جديدة، عميلة او وطنية، بديلة عن الحركة الوطنية والقومية العريقة في العراق، خصوصا بديلة عن البعث، تبلورت قناعة لدى الاغلبية الساحقة من العراقيين بان تحرير العراق لن يتم بواسطة تجمعات نخبوية لا قواعد جماهيرية لها، ولا بواسطة انقلاب عسكري فوقي بونابارتي او بواسطة مغامرة بلانكية، (البونابارتية نسبة الى نابليون بونابارت والبلانكية نسبة الى بلانك وكانا يومنان بالتغيير من فوق بواسطة نخب لا قواعد جماهيرية لها)، بل يجب ان يتم التحرير بواسطة تنظيم جماهيري عريق، يشمل كل العراق ويمثل كل العراقيين، ويملك تجارب بناء دولة وجيش ومؤسسات، ولديه الان قوات مسلحة نظامية تمثل النواة الاساسية للجيش الوطني الذي حله الاحتلال ونزل تحت الارض، وتشكل الحاضنة الاساسية للمقاومة الوطنية العراقية.

لقد جرب الشعب العراقي كل البدائل التي طرحت، وطنية او عميلة، وجرب كل الشخصيات التي ارادت ملأ فراغ البعث، في سنوات اجتثاثه وابادة الالاف منه شهريا ومحاولات عزله وتغييبه وترويج فكرة ان البعث قد انتهى، وتوصل الشعب العراقي، بكتلته الاساسية، الى قناعة عبر عنها حتى من خلال الفضائيات تقول بان انقاذ العراق رهن بدور البعث القيادي في عملية التحرير، خصوصا بعد ان اكدت كل الوقائع اليومية بانه، الان وبعد مرور اكثر من خمس سنوات على الاحتلال، اقوى مما كان في السلطة قبل الاحتلال، وانه الحزب الجماهيري الوحيد المنتشر في كل العراق والذي يمثل كل العراقيين وبكافة مكوناتهم. واقترن هذا اليقين الشعبي بتأكيد البعث بان العراق المحرر يجب ان يقوم على نظام التعددية السياسية والجبهة الوطنية الشاملة لكل الوطنيين، وليس حكم حزب واحد او لون واحد، لانه الخيار الامثل والوحيد لضمان وحدة العراق وقواه الوطنية، ومنع التشرذم اللاحق للتحرير ومنع تكرار كوارث اقتتال القوى الوطنية الذي بدأ بعد عام 1958.

9 – زوال الكثير من الفصائل الصغيرة التي ظهرت بعد الاحتلال لاسباب عديدة مع انها كانت تقوم بعمليات مهما كانت محدودة فقد كانت تحسب ضمن الاطار القتالي العام. وهنا يجب الاشارة الى ان عدد الفصائل وصل في فترة معينة الى اكثر من ستين فصيلا! اما الان فقد تقلص العدد الى حوالي 45 فصيلا موجودة فعليا وان كان اغلبها صغير العدد، واغلب هذه الفصائل تواصل عملية التوحد والاندماج بعد ان راى الجميع، وادرك الجميع، بان اصرار كل فصيل على العمل منفردا ورافضا التوحد مع الاخرين هو الطريق الطبيعي الحتمي للقضاء على المقاومة ونجاح الاحتلال الامريكي في استعمار العراق.

الخلاصة

في ضوء ماتقدم فان الواقع الموضوعي والاحداث الواقعية تؤكد بان المقاومة العراقية لم تتراجع على مستوى عدد العلميات العسكرية الا وفقا لحالة معروفة في اي حرب، بما في ذلك حرب العصابات، وهي السير في طريق زيجزاك، اي متعرج وغير مستقيم، تفرضه ضرورات مواجهة عدو متفوق عسكريا وماديا وتكنولوجيا...الخ، من جهة، وانسجاما مع انتقال الثورة المسلحة من مرحلة الاندفاع العسكري المبني على مفهوم قبلي وعاطفي، وهو مفهوم عدم المناورة او التراجع امام العدو بل الصمود امام هجماته الضخمة مع انها تكلف المقاومة خسائر باهضة في الكادر والمعدات العسكرية وهي شحيحة، من جهة ثانية. فالانخفاض في عدد العمليات في فترة ما امر طبيعي لانه يرتبط بارتفاعها بعد ايام او اسابيع، انها نمط واضح من انماط (الكر والفر)، وهي احدى اهم اساليب حرب العصابات لذلك فان الفر ليس تراجعا بل هو مكمل للكر على العدو.

لقد اكدت الارقام والوثائق التي قدمناها على ان العمليات تتصاعد بقوة في مكان حتى اذا تراجعت في مكان اخر، فالعدو المستعد في مكان يجب ان لا يحصل على فرصة الاشتباك مع المقاومة و هو جاهز بشكل كامل، ولكنه حينما يتعب من البحث عن اشباح المقاومة وييأس يجب ان تبدأ الهجمات المتفرقة والمتعددة عليه، ويجب ان تفتح عدة معارك متزامنة معه، اي في وقت واحد، وفي اماكن مختلفة لاجل اجباره على نشر قواته وهو متعب، وعندها تصبح المبادرة بيد المقاومة وليس العدو.

في ضوء ما تقدم فان العمليات العسكرية، بعد ترويج دعائي ضخم قامت به قوات الاحتلال والحكومة العميلة يقول بان المقاومة تراجعت وانكمشت، تصاعدت بقوة وفي كل مكان من العراق تقريبا، وسقط العشرات من الجنود الامريكيين، اضافة لعودة الهجمات على المدنيين الى التصاعد بعد تراجعها! في شهر اب – اوغست لم يعد بامكان الاحتلال انكار ان المقاومة اشتعلت بقوة لا تختلف كثيرا عن اشتعالها التقليدي حتى عام 2006 واضطر الاحتلال للاعتراف بقسم صغير من خسائره لاجل منع رفض كل ادعاءاته بتحقيقي النصر، فالاعتراف هنا هو وسيلة لتاكيد ما سبق وان ادعاه، وبنفس الوقت انه تفسير للتصاعد في عمليات المقاومة على انه حالة مؤقتة!

وحتى لو افترضنا ان عدد الجنود الامريكيين الذين يقتلون يوميا على يد المقاومة هو قتيل واحد فانه اكبر من العدد المعلن لعدد القتلى الامريكيين في الاعوام بين 2003 و2005 والتي كانت تتراوح بين اثنين وواحد في الاسبوع، وهي حقيقة مثبتة وموثقة.

نعم تراجعت بقوة الهجمات على المدنيين العراقيين من قبل فرق الموت، سواء التابعة لامريكا او ايران، وانخفضت العمليات ذات الطبيعة الطائفية، وهذا مكسب للشعب العراقي وليس للاحتلال، نعم لقد انخفضت بحدة عمليات الخطف والابتزاز المالي، نعم لقد انخفضت عمليات القتل على الهوية الطائفية، كل ذلك نعم والف نعم ولكن من قال ان المقاومة كانت تعد تلك العمليات مكسبا لها ودليل على قوتها؟ ان تلك العمليات كانت عارا على كل من قام بها، بما في ذلك عناصر من المقاومة طائفية النهج، لان قتل العراقيين العاديين على اساس طائفي عمل اجرامي بكل المقاييس وان من قام به هو ثلاثة اطراف امريكا واسرائيل وايران. وكان الهدف وقتها هو خلخة المجتمع العراقي تمهيدا لتقسيمه من خلال حمامات الدم، لكن وحدة الشعب العراقي كانت اقوى من كل عوامل التشرذم على اي اساس كان. ولقد كان احد اهم اسباب اضطرار الاحتلال لايقاف قسم كبير من الهجمات على المدنيين العراقيين والتي يطلق عليها تسمية (العمليات الانتحارية)، هو الوصول الى مرحلة توقيع اتفاقية امنية واخرى اقتصادية، وهما تستوجان توفير حد ادنى من الامن جزئيا في مناطق سيادة المقاومة وبحجم ملموس في مناطق وجود العدو الايراني.

من الواضح ان المقاومة العراقية قد تحررت بشكل اساسي من لعنة التشرذم ووضعت نفسها على الطريق الصحيح وهو تحرير العراق وفق منهج وطني وقومي واضحين، وتجنب كل تيار تكفيري طائفي وعزل كل نزعة عنصرية، ومحاربة اي اتجاه اقصائي في المقاومة او داخل الحركة الوطنية العراقية، وتبني مبدأ ثابت وستراتيجي وهو اقامة نظام ائتلافي ديمقراطي حقيقي، والعمل المنظم في اطار جبهتين جبهة القوى الوطنية والقومية المناهضة للاحتلال والمساندة للمقاومة المسلحة ستراتيجيا وليس سياسيا فقط، لتكون الذراع السياسي والاعلامي للمقاومة المسلحة، وجبهة عسكرية لكل الفصائل المسلحة لضمان ان تتركز البندقية العراقية على الاحتلال والعملاء الرئيسيين له وان يخضع العمل القتالي لخطة مركزية شاملة.

ومن دون شك فان انتصار المقاومة سيبقى رهن بقدرتها على مواصلة تعزيز وحدتها من جهة، وتعميق وتوسيع صلتها بالشعب العراقي من جهة ثانية، وهما مطلبان يقتضيان توفر اقصى درجات التنكر للذات، والسمو فوق التحزب البغيض، وعدم نسيان ان الهدف المركزي والاسمى هو تحرير العراق اولا، وضمان وحدة القوى الوطنية قبل وبعد التحرير ثانيا، وليس السعي لاقامة حكم فرد او جماعة او حزب واحد.

واخيرا يجب ان نكرر الحقائق التالية ونؤكد عليها :

1 - بكل صراحة، ومهما كانت مزعجة للبعض، ان من يرفض الوحدة الشاملة لكل فصائل المقاومة، لاي سبب كان يتحمل المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن كل التراجعات والنكسات التي قد تتعرض لها الثورة العراقية المسلحة. ان الشعب العراقي يتابع الان سلوك ومواقف الجميع ويبلور قناعاته النهائية وهو يدرك، عبر تجربة هي الاشد مرارة في كل التاريخ العراقي، ومن بين اهم قناعاته التي تبلورت الرفض التام لكل التنظيمات الطائفية، بما في ذلك التي تناهض الاحتلال لكنها تتمسك بالطائفية والاقصاء سواء بشكل مباشر او بصورة مموهة، مثل التشكيك بالقوى القومية والوطنية ومحاولة اضعافها او شقها او عزلها، لان بلاء العراق الحالي ما كان له ان يستمر لولا الطائفية وذوي العمائم البيض والسود التي خدمت الاحتلال وقدمت له المبررات والذرائع والدعم، سواء بفتاواها لصالحه او بنزعتها الطائفية التقسيمية.

2 – ان الحل الوحيد لمشكلة الطائفيين المناهضين للاحتلال هي اندماجهم التام بالحهد الوطني العام، وكجزء منه، والتخلي عن اي نزعة طائفية مباشرة او مموهة، وبالاخص التخلي النهائي عن وهم الانفراد باستلام السلطة من قبلها باسم اسلام مزيف وتكفيري، وادراك ان العراق لن يحرره ولن يحكمه ابدا تنظيم طائفي مهما كان بل يحرره ويحكمه فقط ائتلاف وطني عراقي عام.

3 – ان هذه المصارحة التامة تقوم على فكرة بسيطة وواضحة وهي ان من لا يتحد مع القوميين العرب الان في جبهة واحدة مع ان الوضع هو الاخطر فمتى سيتحد اذن؟ من لم يتقدم حتى الان وهو متخل عن تكفيريته او نزعة الاستئثار بالسلطة، مهما انكر ذلك، للعمل سوية مع الوطنيين والقوميين العرب لا حاجة لنا به فيما بعد. ان الوقت الحالي هو وقت الوحدة ووقت الترفع عن التحزب واقصاء او تكفير الاخرين ومن لم يدرك هذه الحقيقة حتى الان لن يدركها لاحقا! لا استرضاء لاحد مهما كان على حساب الانتصار الحاسم على الاحتلال.

عاشت المقاومة العراقية المسلحة الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي.

عاشت وحدة المقاومة والقوى الوطنية العراقية والعربية.

النصر او النصر ولا شيء غير النصر.

انتهت الدراسة

نهاية رمضان – ايلول – سبتمبر 2008

2008/10/17

خريف أمريكا



عبد الحليم قنديل

الرئيس بوش الابن ـ بشخصه ـ علامة نهاية للقرن الأمريكي الزاحف إلى خريفه .

وربما لا تكون مصادفة أن عهد بوش الابن بدأ بعواصف ايلول (سبتمبر) 2001، وينتهي بزلازل مالية واقتصادية لم يسبق لأمريكا أن شهدتها منذ أيام الكساد العظيم، وفيما بدت حوادث ايلول (سبتمبر) كتحطيم رمزي لمهابة أمريكا، فقد بدت تفاعلات أزمة الإئتمان كأنها علامة نهاية لمكانة أمريكا الفعلية لا الرمزية .

فقبل حوالي قرن من الزمان، كانت أمريكا تخرج من غرب الكرة الأرضية، وتتطلع لدور في العالم القديم الواسع، والذي كان وقتها مسرحا لهيمنة أوروبية بريطانية وفرنسية بالذات، وكان الرئيس تيودور ويلسون بوصاياه عن حق تقرير المصير ـ بعد الحرب الأوروبية الأولى ـ أول عنوان دولي لأمريكا، ثم جاءت وقائع الحرب العالمية الثانية، ونجدة أمريكا لأوروبا المنهارة أمام زحف النازي، وحسم أمريكا للمعركة مع اليابان بالقنابل الذرية، جاءت هذه التطورات لتضع أمريكا في قلب العالم، وبقوة اكتساح زلزالية، فقد كان لأمريكا ـ وقتها ـ نصف ثروة العالم، وكانت وحدها تملك سلاح الرعب الذري، وإن لم تكن الساحة خالية من منافسة ضارية مع القطب السوفييتي الطالع وقتها بنتائج ايجابية في حربه مع ألمانيا النازية، وقبل عقد واحد من نهاية القرن العشرين، كانت أمريكا تبدو كما لو أنها أنهت الحرب الباردة مع موسكو بالضربة القاضية، وصارت سيدة العالم بلا منازع، وسرت توقعات عن ديمومة القرن الأمريكي لقرن آخر، وزحف عهد السيطرة الأمريكية المطلقة إلى فضاء القرن الحادي والعشرين، وفي الطريق إلى القمة كان الدولار الأمريكي يفرض سطوته باتفاقات 'يريتون وودز'، ويحل الدولار الأخضر محل الذهب الأصفر.

وربما كان وهم القوة المطلقة هو ما دفع بوش الابن إلى ما فعل، فقد وقع الرجل أسيرا لأوهامه الدينية، ثم أنه وقع أسيرا لمحدودية ذكائه الشخصي، فلم يلحظ أن الصعود الأمريكي إنطوى في الوقت نفسه على عناصر فنائه، فقد ورث بوش الابن دولة عظيمة لكنها منهكة، وكانت علامات الإنهاك بادية منذ عهد ريغان الأول بداية الثمانينيات، فقد سرت وزادت عناصر الضعف في بنية الاقتصاد الأمريكي، زاد دور اقتصاد الخدمات على حساب اقتصاد الإنتاج، ثم زحف اقتصاد المضاربة إلى مقدم المسرح، وتوسع العجز في الميزان التجاري، وتراكمت الديون الداخلية، وتحسن الوضع قليلا في سنوات كلينتون الثمانية، لكن ضعف الاقتصاد عاد بشدة في عهد بوش الابن، كان خلل الموازين التجارية ظاهرا مع اليابان في الثمانينيات أيام ريغان، لكن خلل الميزان التجاري في أيام بوش شمل ـ إلى جوار اليابان ـ قوة الصين الكاسحة المقتحمة للأسواق في العقود الأخيرة، واقترب العجز بديونه من حاجز التسعمائة مليار دولار، وهو ما يعكس ضعف الاقتصاد العيني أو الاقتصاد الإنتاجي، وبالمقابل كان الرواج الأمريكي الظاهر أشبه بفقاعة هائلة، فقد ظل الدولار الأمريكي يطبع بإفراط دون غطاء إنتاجي، واعتمادا على التعامل معه كسلعة لا كمقابل لسلعة، وأصبحت سياسة الإقراض في حالة فوضى، وجرى خفض سعر الفائدة إلى أدنى حد، وجرت مبالغات مفزعة في تقويم أصول، وانتفخت دخول المدراء التنفيذيين في البنوك وشركات التأمين والسمسرة الكبرى، ووصلت الديون المعدومة إلى حد التريليوني دولار، ولن يكون ضخ 700 مليار دولار ـ بحسب خطة بوش الأخيرة ـ حلا ينقذ أو يجدي، فقلاع المال الأمريكية الكبرى تهوى كأوراق الخريف، وركود الاقتصاد يبدو بلا آخر.

والخلاصة : أن أمريكا لم تعد مثالا يحتذى في الاقتصاد، ثم أن قوتها الاقتصادية الكلية تتراجع في موازين الدنيا، فلم تعد تملك سوى ربع ثروة العالم بعد أن كان لها النصف قبل عقود، وصعدت قوى اقتصاد ونماذج أخرى على خرائط العالم، ففي الوقت الذي روجت فيه أمريكا لسياسة خصخصة كل شيء، وجعلتها كعقائد الأديان، ها هي تضطر الآن إلى انتهاج سياسة تدخل الدولة، بل وتلجأ إلى التأميم، وهو ما يضيف قوة رمزية هائلة لنموذج الاقتصاد الصيني بالمقابل، وهو الاقتصاد الأعظم نموا في العقود الأخيرة بالذات، ويجمع أكبر قطاع عام في العالم إلى أكبر قطاع للاستثمارات الأجنبية في الوقت نفسه، وفي المباراة التي جرت سجالا، أثبت النموذج الصيني أنه الأقدر بامتياز، وخصما من حساب واعتبار النموذج الأمريكي، فقد انتهت الحوادث إلى ما يشبه إشهار لإفلاس النموذج الأمريكي، بينما بدت اقتصادات أوروبا ـ المختلفة بالذات عن النموذج الأمريكي ـ أعظم مقدرة على التكيف مع توابع الأزمة المالية، وخفض آثارها إلى أدنى حد، وكما جرى في ألمانيا بالذات، وحتى في روسيا برأسماليتها الممزوجة بتدخل الدولة الأقوى، وربما كان ذلك هو ما دفع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى القول مؤخرا 'أن العالم صار بلا معلم'، وهو ما يعني أن أمريكا فقدت كرسي الأستاذية حتى لدى حلفائها التقليديين.

وقبل أكثر من ثلاثة عقود، كان المؤرخ الأمريكي الشهير بول كينيدي يحذر من المصير الأسود، كان يلحظ ضعف اقتصاد أمريكا مقابل توحش قوتها العسكرية، وكان يشرح طريقة أمريكا في كسب رزقها، وهي الاعتماد على فوائض عضلاتها العسكرية لتعويض ضعف مواردها الانتاجية، وقد زادت شهوة أمريكا ـ مع بوش الابن بالذات ـ إلى خوض حروب سيطرة بقوة السلاح، لكن المصير البائس كان في انتظارها أيضا، فقد دفعت أمريكا في حربي العراق وأفغانستان بأكثر مما أخذت، دفعت أمريكا في الحربين ـ إلى الآن ـ ما يقرب التريليون دولار، ولا تزال تدفع، ولا يبدو أنها قادرة على الخروج من المستنقع، ولا على وقف نزيف الدم والمال، وهو ما يعني أن دافع الضرائب الأمريكي هو الخاسر في النهاية، وحتى لو تضخمت موارد شركات البترول والسلاح وأسواق المال، فقد أصبح كل مواطن أمريكي مدينا ـ في المتوسط ـ بسبعة عشر ألف دولار، وهو ما يجعل من فكرة الحلم الأمريكي موضوعا للسخرية لا للجاذبية السحرية، فأن تصبح أمريكيا الآن يعني أن تصبح مدينا، وربما لا يدفع لك احد غير أمراء النفط المشمولين برعاية السلاح الأمريكي في الخليج، فقد تعود هؤلاء على تصدير فوائض المال لبنوك أمريكا والغرب، وبتريليونات الدولارات، وكانوا الأكثر تأثرا بالانهيار الأمريكي الأخير، وبدت بورصة السعودية بالذات كأنها ترقص على مؤشر 'داو جونز' في بورصة وول ستريت!

إذن، فنحن بصدد ضعف مزدوج، ضعف للاقتصاد، وضعف لأثر السلاح الأمريكي، فيما تبدو مسارح العالم مفتوحة للاعبيين آخرين، فقد ينجح اقتصاد الصين في أن يلحق باقتصاد أمريكا مع نهاية العقد الثاني من القرن الجاري، وليس في نهاية العقد الخامس كما كان متوقعا قبل سنين، وبمقدور النفوذ الروسي ـ بفوائض الردع النووي ـ أن يتوسع جنوبا وشرقا وغربا، وعلى حساب الانحسار الأمريكي حتى في أمريكا اللاتينية التي كانت حديقة خلفية كلاسيكية للبيت الأبيض، فقد أصبحت أمريكا في محنة اقتصاد، وفي محنة سلاح، فلاهي قادرة على الانتصار في حرب، ولاهي قادرة على استعادة بريق بدا أنه صار حكرا لها عقب انهيارات موسكو الشيوعية أوائل تسعينيات القرن العشرين، فقد بدت أمريكا وقتها كأنها القوة المرهوبة والمرغوبة في الآن نفسه، بدا أنها الفتوة وملكة الجمال في آن، بدا أنها 'نهاية التاريخ ' بحسب خرافات فوكوياما وقتها، بدت كأنها الغاية النهائية المطلقة لسيرة تطور الأمم، فيما تبدو أمريكا الآن وكأنها أصيبت بداء الجرب، الذي يقترب منها يخسر في البورصة .. وفي التاريخ أيضا

المقاومة العراقية تحرق مراحل التطور الرأسمالي



المراحل التاريخية للنظام الاقتصادي بشقيه الاشتراكي والرأسمالي تنتقل وفق قوانين حددتها دواعي ولادتها . ولم يتغير الترتيب التعاقبي للمراحل إلا بمرور هذا النظام بثورة تغير المسار أو حدث تاريخي يفضي إلا إلغاء النظام الاقتصادي برمته . هذا ما مرت به مراحل التطور في النظام الاشتراكي الذي كان من المفترض ووفق قوانين الاشتراكية العلمية أن يستمر مئات السنين ليصل إلى نهاية التشبع الكوني لهذا النظام وهي مرحلة المشاع ! . ويفترض أن يكون انتصار ابدي على النظام الرأسمالي النقيض . ولم يصمد هذا النظام حتى ولا في منتصف الطريق ومع أول تحدي مع النظام الرأسمالي أستسلم باكيا على سبعين سنة من التجربة المرة . وكان سباق التسلح هو ساحة المنازلة الأخيرة لنظام كان يحلم أنصاره أن النصر على الرأسمال قادم . لكن مراحله احترقت على أول الطريق في خطة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في سباق التسلح . ولم يعد هناك من يفكر جديا أن يعيد الاقتصاد الاشتراكي على سكته القديمة ، لان القطار يأخذه إلى محطة المجهول حتما .

أما النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة فانه ووفق قوانينه يحتاج إلى أكثر من مئة سنة لإتمام مراحله التي وصلت به إلى العولمة التي هي شبيه بنهاية المرحلة الاشتراكية عند أبواب مرحلة المشاع مع اختلاف أدوات العمل في القيادة ، ففي الرأسمالية يقود المال و أصحاب الشركات العالم ويبطش فيه حيث تكون مصالحه ، والتي تؤدي إلى انتهاء كل القيمة الإنسانية .

وصل قطار الاقتصاد ألأمريكي لأقصى سرعته وعصره الذهبي في مرحلة كلينتون الذي وضع حجر الأساس لمرحلة جديدة للاقتصاد الرأسمالي أطلق عليها تسمية العولمة ، تلك التي نهضت شعوب الأرض احتجاجا على أسس تأسيسها ،والتي قيمتها الشعوب على إنها مرحلة مصادرة الثقافة والسيادة والهوية الوطنية لصالح رأس المال. لكن الاحتجاجات وحركة المعارضة سبتت ولم تكن قادرة على الاستمرار لان الإعلام العالمي خاضع تماما لقوة رأس المال العالمي . تداخلت مع حركة الاقتصاد لهذه المرحلة نزعة يمينية متلهفة لتحقيق شعارات مريضة بمعادة الشعوب والعدوان عليها فأقدموا على احتلال أفغانستان في عام 2001 ، وتعاظمت نزعت العدوان لديهم بعد إن أطمئنت نفوسهم بسبب سكوت العالم ووقوف حتى الدول الكبرى متفرجة ، إضافة إلى المشاركة و العون الذي حصلوا عليه من أوربا . زاد من عنجهيتهم الإيحاءات والأماني المريضة على أن يكون العراق لقمة سائغة ! فأقدموا على عدوانهم في 20 آذار/ مارس 2003 ، فكانت تلك هي الطامة الكبرى لأمريكا ونظامها الاقتصادي في سوء التقدير والتخطيط لمستقبل التحرك الإجرامي على العراق . كانت حساباتهم أن الوضع يهدأ بعد فترة لا تتجاوز الستة أشهر ، حيث أعلنوا أن عديد قوات الجيش العراقي يجب أن يكون 40 ألف ومهماته محصورة بحراسة الحدود وكذلك الشرطة بنفس القوام ولمهمات الداخل . أما مصادر النفط فكانت محسوب لها أن تغطي هذه النفقات وينطلق عنان العولمة في المنطقة من العراق ، ويتربع الجيش الأمريكي أمرا ناهيا لمن تضخ أنابيب النفط وفق تعليمات حيتان العولمة . وعلى هذا نبني إن المراحل الطبيعية لتطور الرأسمال لازالت خاضعة لقوانين اقتصادية منهجية تبدءا وتنتهي وفق شروطها الاعتيادية.

وفي ليلة عدوانهم على العراق واستمرار مقاومة المشروع الصهيوأمريكي وبوتيرة تصاعدية بداء النزيف الداخلي للنظام الاقتصادي الأمريكي ذلك حسب وصف البروفسور جوزيف ستيكلتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد ومستشار كلينتون وبعدها مستشارا للبنك الدولي وأستاذا في جامعة كولومبيا في نيويورك . وفي معرض تفسيره على التداعيات الأخيرة التي هزة الاقتصاد الأمريكي قال " أن الحرب في العراق لعبت دورا جوهريا لأنها كانت وراء زيادة أسعار النفط ، وصرفت أمريكا أموالا طائلة لاستيراد النفط مما اضعف الاقتصاد الأمريكي ، وإقدام الحكومة الأمريكية على ضخ الكثير من الدولارات للسوق ،وكانت الشركات العقارية الكبرى أول المتضررين وانهيار هذه المؤسسات أدى لهذه الأزمة الذي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي " .

أن الحرب في العراق هي السبب ، أي العمل البطولي الذي تؤديه المقاومة في العراق هو الطرف الأساس في عملية الحرب في العراق ، فالجبهتين المتقابلتين في الحرب هما المحتل والمقاومة . لو أدخلنا الأرقام لتوضح خريطة الطريق للاقتصاد الأمريكي سنرى إن النهاية الحتمية هو إفلاس كامل النظام الرأسمالي في العالم ، إذا كانت الإدارة الأمريكية قادرة اليوم على بلسمه الجرح الأول والذي تمثل في رصد 700 مليار لمعالجة انهيار بعض البنوك الغير أساسية في أمريكا، فالإدارة الأمريكية هدمت أول قوانين النظام الرأسمالي وهو عدم تدخل الدولة في مسار حركة هذا الاقتصاد وهو مؤشر على فشل النظام . والمقاومة العراقية تتصاعد أي إن النزيف الداخلي في الاقتصاد الأمريكي لازال مستمرا وبذلك استمرار التمويل على الحرب في العراق الذي يكلفهم أكثر من مما رصد لمعالجة الأزمة الأخيرة . فهل الإدارة الأمريكية تستطيع رصد أموال أخرى لوقف الانهيار المتجدد . ويشكك الخبراء في العالم على قدرة أمريكا في الصمود أمام هذه التطورات السلبية في مسار حركة النظام الرأسمالي نتيجة استمرار احتلال العراق . لا يفوتنا ذكر خسائر باقي دول النظام الرأسمالي الأولية والتي تقدر أيضا بحوالي 700 مليار ، فالأزمة ومداها تشمل مجمل النظام الرأسمالي العالمي والأنظمة التابعة في دول العالم الأخرى .

وفي مقدمة ما ذكرنا أن مرحلة تطور النظام الرأسمالي الذي وصل إلى العولمة أو تحت أي عنوان يكون بمقدره المشي ولو تعرجا لمائة سنة قادمة ، ذلك مشروطا في التحرك الأمن لرأس المال ويعني عدم وجود حروب مستمرة لسنين . فكانت حروب الكيان الصهيوني مع الأنظمة العربية تتسم بمحدودية الزمن خوفا من تداعيات الاستمرار على النظام الرأسمالي .

المقاومة العراقية بنفسها الطويل ونوعية تصديها لأكبر وأقوى جيش في العالم والذي يعتبر أداة الهيمنة على العالم ، جعلت نتائج الهزيمة لهذا النظام تتجلى للعالم بوقائع التغيير على النظام الاقتصادي لأمريكا ومن تبعها ، وما بقي لأمريكا إلا الإعلان عن هزيمتها في العراق رسميا وذلك أصبح وشيكا . أن الهزيمة أمام المقاومة العراقية ليست مقصورة على الجيش الأمريكي وإدارته الجمهورية وإنما على النظام الرأسمالي العالمي برمته ، لما لهذه الهزيمة من تداعيات وأهمها انحسار الدور القيادي الأمريكي للعالم وظهور قوى أخرى منافسة لا يمكن لها أن تتخذ من النظام الرأسمالي وسيل للحياة .

أن المقاومة العراقية الباسلة غيرت مسار النظام الرأسمالي العالمي وحرقت مراحله ليصل إلى نهايته مبكرا ،

وعجزه عن التمسك بقوانينه وهي عدم تدخل الدولة وحرية رأس المال ، فاليوم أصبح دور رأس المال ضعيفا أمام الدولة التي تدخلت لحمايته ، وذلك يمثل خروج مراحل النظام عن المسار الطبيعي ففشل وحرقت مراحله المستقبلية كما كان هذا النظام سببا في حرق مراحل النظام الاشتراكي الشيوعي .

أن انتصار المقاومة العراقية المعلن يؤكد أن العراق رمانة الميزان للنظام العالمي القادم والرقم الصعب الذي لا يمكن تخطيه أو إلغائه كما تحلم قوى الشر الصهيوفارسية الأمريكية .

سجل أيها التاريخ..أنا ابن عكا


سجل أيها التاريخ..أنا ابن عكا..! "هنا..على صدوركم باقون كالجدار/نجوع نعْرى، نتحدى، نُنْشد الأشعار/ونملأ السجون كبرياء/ ونصنع الأطفال جيلاً ثائراً وراء جيل/ كأننا عشرون مستحيل/في اللد، والرملة، والجليل/ إنا هنا باقون../ فلتشربوا البحرا/ نحرس ظل التين والزيتون/ ونزرع الأفكار كالخمير في العجين/برودة الجليد في أعصابنا/ وفي قلوبنا جهنم حمرا/ إذا عطشنا نعصر الصخرا/ ونأكل التراب إن جعنا ولا نرحل/ وبالدم الزكي لا نبخل، لا نبخل/ هنا لنا ماض وحاضر ومستقبل/ كأننا عشرون مستحيل/ في اللد والرملة والجليل/ يا جذرنا الحي تشبّث/ واضربي في القاع يا أصول"..ألشاعر والمناضل الفلسطيني الراحل توفيق زياد. قبل البدء بالتطرق لما جرى من احداث في مدينة عكا لا بد من هذه المقدمة الموجزة: يقول المثل الروسي "ويل للخزف إذا وقع على الصخر، وويل له إذا وقع الصخر عليه"..! نتيجة لقسوة التاريخ, قسم الشعب الفلسطيني الى ثلاثة اجزاء, فأصبح كالمثلث باضلاعه الثلاثة: قاعدته سكان الضفة الغربية وغزة..وضلعه الأول هم فلسطينيو الشتات، بينما يشكل مواطنو" إسرائيل" الفلسطينيون، الضلع الثالث، الضلع الأقصر..وهم "المكوِّن" الأصغر، لكن ما من مثلث بدونهم..كما أنهم مختلفون لأنهم مواطنون في "إسرائيل"، مع كل المعاني الإيجابية والسلبية لذلك.

ألتسميات:ان التسميات معقدة، فذلك يقول "فلسطينيي 48" وآخر "عرب 48" أو "عرب الداخل"، أو "الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل"، أو "الأقلية الفلسطينية في إسرائيل" رغم مأساوية تسمية أهل الوطن بـ "الأقلية"،أو فلسطينيي الاحتلال الأول(حسب رأيي الشخصي اعتبرها افضل تسمية) ولكن بالإمكان التعايش مع هذه المصطلحات، أما "عرب إسرائيل"، فحقا انها تسمية قاسية ولا ترحم، فقد يكون لإسرائيل عرب، ولكنهم قلّة، وقلّة جدا جدا. ان أية محاولة للتحليل العلمي للظروف الموضوعية لفلسطينيي الداخل، بحكم كونهم مواطنين في دولة "اسرائيل"، لا بد ان تنطلق من بديهية كونهم لم يناضلوا يوماً ما من اجل قيام هذه الدولة" اسرائيل"، لم يهاجروا الى الدولة الجديدة كمعظم الأقليات القومية والاثنية في العالم، ولم يتنازلوا يوماً ما عن انتمائهم القومي لشعبهم الفلسطيني وامتهم العربية ولا عن حقهم الشرعي في وطنهم بدل الالتحاق بكيان استعماري عنصري اقيم على انقاض شعبهم. ان عملية تهجير هذا الجزء من ابناء شعبنا كانت وما تزال القضية الرئيسية التي تشغل بال القادة الصهاينة من"بن غوريون" الى القتيل "رحبعام زئيفي" وصولا الى العنصري الحاقد"ليبرمان" زعيم من يحملون فكرة الترحيل"الترانزفير"..فتصريحات وزيرة خارجية الكيان الصهيوني" تسيبي ليفني" والتي خلفت مؤخرا "اولمرت" في رئاسة حزب"كديما الصهيوني" تكشف عن مخطط صهيوني لتهجير فلسطيني 48 الى خارج حدود دولة ما يسمى "اسرائيل" للحفاظ على عرقيتها اليهودية التي اكد عليها الزعماء الصهاينة مرارا في الاونة الاخيرة..هذا وكانت ليفني قد صرحت في الأيام الأخيرة التي سبقت انعقاد مؤتمر" أنابوليس المشؤوم" بأن إقامة الدولة الفلسطينية لن تكون الحل القومي فقط للعرب في غزة والضفة الغربية، وليس فقط للاجئين الفلسطينيين، بل أيضاً لعرب إسرائيل (فلسطينيي الاحتلال الأول ). انه من الخطورة بمكان أن هذه التصريحات قد خرجت قبل مدة وجيزة على الاجتماع الدولي في أنابوليس مما يعطي إشارة واضحة إلى حجم الخطر الذي يتهدد قضية اللاجئين الفلسطينيين والقضاء على حق العودة. انه في الوقت الذي كان فيه شعبنا يعيش أجواء الذكرى الستين للنكبة وهو يتطلع للعودة، جاءت هذه التصريحات لتعطي إشارة لا لبس فيها على نوايا التطرف والعنصرية الصهيونية للبدء بعمليات تهجير جديدة لأهلنا في الأرض المحتلة عام 1948..إن التصريحات المكثفة التي خرجت من المسؤولين الصهاينة قبيل مؤتمر أنابوليس وبعده تريد التأكيد على (الخطوط الحمراء الصهيونية) والتي تلغي حق العودة في الوقت الذي يبدو فيه الطرف الفلسطيني المفاوض في أضعف حالاته ويلتزم الصمت إزاء كل هذا..!. لقد كان من غير المعقول على السلطة الفلسطينية أن تذهب إلى مؤتمر هذه مقدماته ونؤكد هنا بأن الخطر ما عاد يتهدد اللاجئين الفلسطينيين في الشتات وحسب، بل إن النوايا الصهيونية القديمة الجديدة لتفريغ أراضينا المحتلة عام 48 من سكانها باتت أكثر علانية ووضوحاً في ظل صعود اليمين الصهيوني والتيار الموسادي المخابراتي إلى مكاتب صنع القرار في الكيان الصهيوني..وقد طالبنا مرارا السيد محمود عباس بعدم المشاركة في هذا المؤتمر لأنه يأتي لتصفية ما تبقى من قضيتنا,الا أنه ذهب مع وفده المفاوض ضاربا بعرض الحائط كل هذه المطالبات..وما حصل بعد ذلك هو ارتكاب المجازر الصهيونية البشعة بحق ابناء شعبنا في قطاع غزة وبضوء اخضر من مجرم الحرب العالمي جورج بوش. كثيرة هي الأمثلة والسلوكيات التي تعري وتكشف نوايا الكيان الصهيوني في سعيه لتفريغ القدس والجزء المحتل عام 48 من سكانه واصحاب ارضه الأصليين, واكتفي بسرد بعضها: - في تشرين الأول من العام 2000، انطلق الفلسطينيون داخل "إسرائيل" في عدد من المظاهرات دعماً للانتفاضة التي كانت قد بدأت قبل ذلك بأسابيع قليلة في الأراضي المحتلة"انتفاضة الأقصى" والتي كانت زيارة"شارون" الى الأقصى المسبب الرئيس لاندلاعها, وقد حدث ذلك عندما كان "ايهود باراك" زعيم حزب العمل ووزير الحرب الحالي رئيسا للوزراء "الاسرائيلي".. فقامت القوات"الإسرائيلية" بقمع هذه المظاهرات بوحشية ما كانت لتستخدمها ضد متظاهرين يهود، فقتلت 13 مواطناً فلسطينياً وجرحت المئات. هذه الحوادث هي برهان على الشقاق السياسي بين السكان الفلسطينيين واليهود في دولة الاحتلال، وعلى الموقف العدائي أساساً لهذه الدولة تجاه المواطنين العرب..ومن المعروف أن القيادة"الاسرائيلية" بكافة اطيافها وكذلك الغالبية العظمى من اليهود متأكدين بأن المواطنين الفلسطينيين لا زالوا يشكلون خطرا على أمنهم وأمن دولتهم الاحتلالية، وهذا الموقف يمثل انعكاس للمواقف الرسمية الإسرائيلية التي باتت تنادي بدولة يهودية خالصة للشعب اليهودي، شعار يحمل في أحشائه مطالبة صريحة ببدء تنفيذ سياسة "الترانزفير" ضد المواطنين الفلسطينيين، حيث لم يعد "افيغدور ليبرمان" وحزب "إسرائيل بيتنا" الوحيدين المطالبين بتنفيذ هذا الشعار بل بات شعار دولة الاحتلال بكل أطيافها السياسية وبشكل علني. - في الرابع من آب 2005 قام مستعمر حاقد من اتباع العنصري القتيل "كهانا" وبدم بارد على ارتكاب مجزرة بحق المواطنين العزل في مدينة شفاعمرو الجليلية، عندما فتح النار بكثافة وعشوائية باتجاه ركاب حافلة كانت متوجهة الى المدينة ما اوقع اربعة شهداء و15 جريحا قبل ان يتمكن المواطنون من الانقضاض على القاتل ويتمكنوا من قتله. مجزرة شفا عمرو، حلقة جديدة في مسلسل الإرهاب اليهودي، الذي يضرب كالأفعى السامة، ثم يختبئ ليعود مجدداً.. وفي كل مرة بشكل جديد، والنتائج دائماً شلال من الدم الفلسطيني؛ الذي يقابل بحملة استنكارات إسرائيلية آنية، على المستوى الرسمي واليساري، المنددة بهذا الإرهاب، ليس الا. - في شهر تشرين ثاني من العام 2007 تعرضت قرية البقيعة في فلسطين المحتلة عام1948 لهجمة شرسة من قوات الشرطة الإسرائيلية ووحدات ما يسمى بحرس الحدود، الهدف المعلن اعتقالات لأشخاص قاموا بتخريب برج اتصالات خلوية لأثاره الصحية السيئة على سكان المنطقة، والخطوة هذه قام بها سكان البقيعة لرفض الجهات الرسمية التجاوب مع مطلبهم بإزالة هذا البرج، وقد كانت نتيجة هذا العدوان الشرطي صدامات عنيفة بين سكان القرية والشرطة سقط نتيجتها عشرات الجرحى واعتقل العشرات أيضاً، وانتهكت حُرمات البيوت ودنست أماكن مقدسة للطائفة الدرزية، وأظهرت أجهزة الأمن الإسرائيلية حقدها وعنصريتها في هذا العدوان بشكل لم يترك شك بان الأمر كان أكبر من عملية اعتقال شخص أو أكثر بقدر ما كان الهدف قمع وتهريب المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل المحتل. - وأما بالنسبة لمدينة القدس فالوضع متأزم وبشكل يومي..جباية الضرائب والحجز على الممتلكات..سن قوانين لسحب الهوية من المقادسة..هدم البيوت بحجة البناء غير المرخص..منع المصلين من الوصول الى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه وأعمال الحفريات حوله وكذلك مداهمته المتواصلة من المستوطنين وتنجيسه, وغيرها من الممارسات والتي ما هي الا عبارة عن حلقة من سلسلة الممارسات والتي هدفها خنق المواطنين لاجبارهم على ترك المدينة المقدسة من أجل تفريغها من سكانها الفلسطينيين وفي النهاية تهويدها بالكامل. وبالعودة الى احداث مدينة "عكا" الأخيرة: من منا لايعرف عكا , انها اعظم مدن ساحل المتوسط , وهي المدينة العريقة والتي اكتسبت شهرتها التاريخية من صمود اهلها الدائم , هذا الصمود الذي توج بانكسار امبراطور فرنسا نابليون بونابرت على اسوارها لتمثل اعظم اسطورة صمود حقيقية لمدينة صغيرة مقابل جيش في اكثر مراحل غروره , وهي المدينة التي صمدت امام غزوات الصليبين قرونا, محافظة على عروبتها. في مساء يوم ما يعرف بعيد الغفران عند اليهود هاجم عشرات المستوطنين في مدينة عكا سيارة مواطن فلسطيني لدخوله الحي الشرقي من المدينة لزيارة أقارب له هناك، وسبب اعتداء المستوطنين يعيدونه لكون المواطن الفلسطيني انتهك حرمة عيد الغفران كونه في هذا العيد لا يتحرك اليهود في مركباتهم، وبعد هذا الحادث توسعت المواجهات بين اليهود والمواطنين العرب، وقام المستوطنين اليهود بمحاصرة العائلات العربية وضربهم بالحجارة مما أدى لسقوط عدد من الجرحى وتحطيم عدد من السيارات والمحال التجارية.ويأتي هذا الحادث ليظهر الطبيعة العنصرية لهذه الدولة الاحتلالية ومؤسساتها ومستوطنيها، فعندما يتعلق الأمر باليهود وشعائرهم الدينية يصبح الالتزام والحفاظ عليها مطلوب من الجميع بمن فيهم المواطنين الفلسطينيين، أما عندما يتعلق الأمر بالمسلمين وشعائرهم الدينية وأماكنهم المقدسة فيصبح لدولة الاحتلال معايير وسياسية مختلفة تنم عن عنصرية فجه تجاه ما هو غير يهودي. وما أن اندلعت المواجهات بين الفلسطينيين واليهود في مدينة عكا إلا وظهرت مواقف العنصرية للجهات الرسمية والشعبية اليهودية في المدينة وغيرها، فمصادر في بلدية عكا سارعت لإتهام جهات إسلامية متطرفة على حد تعبيرها بالوقوف والتحريض على هذه الأحداث، والسبب لمثل هذا الموقف هو رفع وتيرة التحريض على المواطنين الفلسطينيين في الشارع اليهودي داخل مدينة عكا وخارجها، ولخلق مزيد من المبررات للقمع الشُرطي والأمني للفلسطينيين في مدينة عكا وغيرها. عكا وأهل عكا تحت عدوان صهيوني لعين منذ عام 1948، وهم يعانون الاغتراب والاضطهاد والاستغلال والإذلال وهم على أرض وطنهم، ينازعهم الصهاينة الأرض وأمجاد عكا وبيوتها وقناطرها وتاريخها المشرف العظيم..عكا تحت الاحتلال كما هي نابلس وغزة والخليل وجنين، وهي لا تسلم لا في الليل ولا في النهار من إجراءات الصهاينة القمعية والتعسفية، ولا من سياسات المحاصرة والإنهاك والإلغاء والتضييق..وعكا صامدة كما هو صمود كل المدن والقرى والضيعات والمخيمات الفلسطينية. إنها وأهلها جزء لا يتجزأ من فلسطين، وهي الأصل، وهي التاج المرجاني على رؤوس أهل فلسطين.

ان اعتداء الصهاينة على أهل عكا هو بمثابة تأكيد على أنهم الغرباء الذين لا حق لهم بالتواجد على أرض فلسطين..صهاينة يريدون فلسطين خالصة لهم، ولا ينفكون يلاحقون الفلسطينيين حيثما وجدوا حتى لا يكون لهم ذكر وينساهم التاريخ، ولا تعود أمة تخلدهم في ذكريات ماضيها. قاموا بالاعتداء على جمهور الناس لا لسبب إلا لأنهم فلسطينيون، لأنهم أصحاب الأرض، وأهل البيت. ولم يستكن أهل عكا، ولم يجبنوا، بل هبوا هبة شجاعة فيها عنفوان وبأس دفاعا عن أنفسهم وعن وجودهم.

أهل عكا ليسوا عرب إسرائيل، وخسئ كل من أطلق ضدهم هذا الاسم..أهل عكا هم العرب الفلسطينيون الذين جبلوا الأرض بدمائهم وعرقهم، والذين صمدوا عبر التاريخ أمام الغزاة الطامعين، وردوهم مندحرين. أهل عكا ومعهم كل العرب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 48 هم حراس الوطن، وهم الأمناء على عروبته وقدسيته ومقدساته. ستون عاما من الاحتلال المذل لم تنل من عزيمة أهل عكا، ولا من إصرارهم على عروبتهم وعروبة مدينتهم، وهم يؤكدون أصالتهم التي هي عنوان بقائهم. هناك مَثَل قديم قدم هذه المدينة التاريخية، التي اندحر أمام صمودها وصمود أهلها"نابليون بونابرت" الذي وصل بجيوشه الى مشارف موسكو، يقول"عكا لا تخشى هدير البحر"، وحقيقة ان أمواج الحقد الإسرائيلي بقيت ترتطم بصمود مدينة"أحمد باشا الجزّار" وتعود متكسرة وخائبة، كما بقيت ترتطم أمواج البحر الأبيض بأسوارها المنيعة وترتد عنها منذ بدء الخليقة وحتى الآن. منذ عام 1948 وأهل عكا ممنوع عليهم ترميم منازلهم القديمة، وممنوع عليهم بناء منازل جديدة، لقد تهدمت الجدران فوق رؤوسهم، لكنهم بقوا صامدين يواجهون ضغط الإسرائيليين، الذين أكثر ما يخيفهم ان تُكتشف حقيقة كذبة"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، بتلك الصرخة التاريخية القائلة"إن عكا لا تخشى هدير البحر"، وإننا هاهنا باقون وإن هذه المدينة مر عليها غزاة كثيرون كلهم غادروها مهزومين وأكلهم النسيان، بينما بقيت هي صامدة تغسل جدائلها الكنعانية التي تشبه قطيع ماعزعلى جبال جلعاد بأمواج البحر الأبيض المتوسط الفضية. قبل فترة قال ايهود إيهود أولمرت متحسراً"إن الإسرائيليين خسروا حلمهم التاريخي"، وحقيقة ان ما جرى في عكا في يوم غفرانهم وبعد ذلك، وتحول المستوطنين الى دويلات قَتَلة ومجرمين داخل"الدولة الإسرائيلية"، يثبت فعلاً ان هذا الحلم اليهودي بات يتبدد وأنه اقترب من النهاية. لم تفاجئنا الهبة الجماهيرية التي أقدم عليها شعبنا وأهلنا في مدينة عكا المحتلة، فقد كانت المواجهة مع الصهاينة رسالة قوية للاحتلال الصهيوني أن الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة عام 48 قابض على جمرة الوطن وأنه لن يتنازل عن حقوقه وثوابته، ولن يقبل أن تُهان كرامته مهما طال احتلاله ومورس ضده التجهيل ومحاولة تهجينه ليكون في خدمة الشعب اليهودي الصهيوني ، فأهلنا في عكا الذين استعصوا على نابليون الذي لم يفلح في محاصرة المدينة وعاد أدراجه دون أن يحقق أهدافه , كرروا هذه الأسطورة البطولية ضد المحتل الصهيوني الذي أراد أن يمررعليهم طقوسه فيما يسمى عيد الغفران.. فالمضحك في الموضوع أن مجرد ركوب فلسطيني لسيارته في عكا يعتبر إثارة لغضب الصهاينة لمخالفته عيدهم المزعوم، ليهاجموه ويعتدوا عليه بالضرب المبرح ما أدى إلى تداعي أهل عكا لحمايته وانتفضوا على اليهود الصهاينة لتبدأ المواجهات العنيفة..وأما الأمرالمبكي أن اليهود غاروا على طقوسهم التي لا أصل لها في حين أن أمتنا الإسلامية والعربية لم تثرها الممارسات الصهيونية العدوانية المتكررة تجاه المسجد الأقصى المبارك الذي وصل بهم الحد إلى تدنيسه بشتى الوسائل..فمتى الصحوة يا أمة المليار ونصف المليار؟. وها هي عكا اليوم تقف منفردة ووحيدة امام قطعان الحقد الصهيوني الأكثرعنصرية في تاريخ البشرية..تقف وحيدة والأمة في اصعب مراحل هزيمتها وانكسارها , بل وانحنائها امام اتفه امم الأرض , وما كان هذا ليكون لولا انصراف هذا الشعب عن اصلاح امره وتسليم قيادته لمجوعة من البلهاء ركبوا على اكتاف الأمة في ليلة حالكة الظلام, وتشبثوا بهذا المركب وكأنهم قدرنا الذي لاخلاص لنا منه, وهم مابين عاهر وداعر وسارق ومجنون وخائن وبليد وديوث وظالم , ثم يطلب منا ان نترك اهل عكا وكل فلسطين وكل العراق للمحتل الغاصب وان نستبدل بدلا منهم صورهؤلاء الحكام اللصوص اوثانا تعبد وتمجد , وهم اتفه من ان يكونوا مجرد ماسحي احذية , واعلي تسجيل اعتذاري لماسحي الاحذية عن هذه الاهانة الشديدة..!, وان من يترك هذا الشعب العظيم لقدره وتتحول اذاعاته الى طبل وزمر ومضافة لكل الساقطات , في الوقت الذي تمتهن فيه كرامة الناس في اوطاننا, فان هذا هو نهاية السقوط لهذا الشعب الذي ركن الى هؤلاء الزمر الساقطة واني ومع حبي الكبير والعظيم لأهل عكا والقدس وكل فلسطين وشعبها وكل المقهورين في العالم فاني اعتذر لكم وليس في يدي عذرعن هؤلاء الحكام المهانين , فمن يقبل المهانة لشعبه فانه ساقط..ساقط..!. أخذنا الحديث عن وحدة الشعب الفلسطيني بعيدا، وتاهت بنا آلامه وآماله إلى أن برزت عكا ماثلة أمامنا تنطق بالمأساة المرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في كل مكان، ونبهتنا إلى أن وحدة الشعب الفلسطيني أكبر من حماس وفتح، وأعظم من الضفة الغربية وقطاع غزة..أسهب فلسطينيو الضفة والقطاع في الحديث عن جمع شقي الوطن متناسين أن للوطن شقوقا أخرى تأبى أن تبقى خارج الوطن.

"لا تمت قبل ان تكون ندا"..مقولة قالها الشهيد البطل غسان كنفاني, وفعلا شعبنا لن يموت ابدا..وكما قال الشاعر الفلسطيني الراحل راشد حسين:سنفهم الصخر ان لم يفهم البشر**ان الشعوب اذا هبت ستنتصر..ومهما صنعتم من النيران نخمدها**الم تروا اننا من لفحها سمر..ولو قضيتم على الثوار كلهم**تمرد الشيخ والعكاز والحجر..!.

د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة



لأن التشدق يزداد ويفيض معه الكيل


ديمقراطية الغرب كذبة كبيرة...فلا تصدقوها

اسألوا صديقي عنها "يقرئكم السلام"!!

محمود كعوش

التطرق إلى موضوع الديمقراطية الغربية بما في ذلك ديمقراطية "العم سام" في الولايات المتحدة على خلفية خضوعها لازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بالمسلمين والعرب ، لا يعني بالضرورة رفضنا للديمقراطية بمفهومها الصحيح وأهمية إرساء قواعدها في العالم الإسلامي والوطن العربي . فالمسلمون والعرب كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل ردم الهوة بينهم وبين حكامهم ، وتمهيد الأرضية الصالحة للديمقراطية وإشاعتها في بلدانهم

. لكنهم يسعون وراء ديمقراطية تتواءم مع واقع حالهم وتعاليم دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم لا وراء ديمقراطية مستوردة من الغرب لم تعد هي بالأصل موجودة فيه أو ديمقراطية تُفرض عليهم فرضاً وتكون وفق المقاييس الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص ، ووفق ما تفترضه الاستراتيجية الأميركيةالصهيونية المشتركة . وعلى مدار أكثر من سبعة أعوام أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ، تواترت التصريحات الشفهية والخطية وما تزال تتواتر في وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة ، الصادرة عن كبار المسؤولين الغربيين وبالذات الأميركيين بدءاً بالرئيس جورج دبليو بوش وانتهاءً بأصغر موظفٍ في الخارجية والبنتاجون حول إصرار وعزم الولايات المتحدة الأميركية على فَرْض "ديمقراطيتها" على المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص . وأستذكر في هذا المقام ما جاء في مقالة لوزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول نشرتها له صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الذي استقبلت به الفاتح من العام الميلادي 2004 ، لأن ما جاء في المقالة صور ذلك الوضع بشكل واضح لا لبس فيه .
قال باول يومها : "إن جهودنا في أفغانستان ستستمر ، لأننا عقدنا العزم على تحويل هدف الرئيس جورج دبليو بوش الخاص بشرق أوسط حر وديمقراطي إلى حقيقة واقعة . سنقوم بتوسيع مبادرة الشراكة الأميركية - الشرق أوسطية لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في جميع أنحاء المنطقة ، كما أننا سنقف إلى جانب الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة مستبدة أثناء نضالها في سبيل الحرية". وأضاف باول: "لقد شعرت إيران بضغطنا وضغط حلفائنا المتواصل عليها للكشف تماماً عن برنامج أسلحتها النووي ، وقد بدأت القيام بذلك . كما نبذت ليبيا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل بفضل استراتيجية الرئيس بوش القوية في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل". لكن وزير الخارجية الأميركي السابق لم يُشر آنذاك إلى أسلحة الدمار الشامل المخزنة في الكيان الصهيوني بالطبع، مثله مثل جميع السياسيين الأميركيين الآخرين وعلى رأسهم جورج دبليو بوش نفسه. و كان هذا غيض من فيض ما جاء في مقالة كولن باول "العتيدة" قبل خمسة أعوام من الآن . وما تبعها من مقالات خطها باول بقلمه حول الديمقراطية الأميركية "الموعودة" وأعقبها من مقالات خطها قلم خليفته كونداليزا رايس كان أدهى وأمر وأسوأ !! لكن من سخرية القدر، لا بل من المضحك المبكي، أن عام 2004 قد توارى، ثم توارت بعده أربعة أعوام وبتنا على مشارف نهاية الشهر العاشر من عام 2008 الجاري حيث نقترب من انتهاء ولاية الرئيس بوش وبدء ولاية جديدة لرئيس أميركي جديد تفرزه الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني القادم ولم يتحقق ولو نذر يسير من "ديمقراطية" الولايات المتحدة المزعومة !!

11 سبتمبر/ أيلول 2001 تاريخ مشؤوم كان ولم يزل الذريعة والمبرر!!

منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحديث المندفع بعصبية وتوتر عن "الأصولية الإسلامية والإرهاب العربي" يتوازى مع الحديث عن "محاسن ومزايا" الديمقراطية الغربية وضرورة إرساء دعائمها في الشرق الأوسط عامة والوطن العربي خاصة ، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب . ويوماً بعد آخر بدأت وتيرة هذا الحديث تتصاعد أكثر فأكثر . ومنذ ذلك التاريخ ، تحوّلت الديمقراطية إلى سلاح تُشهره الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وبلدان الغرب بشكل عام في وجه أي بلدٍ إسلامي أو عربي لا ينصاع للإرادة الأميركية ـ الغربية المشتركة ، ولا يستجيب لمتطلبات الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية ومشروعها الاستعماري – الاستيطاني التوسعي في منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك الوطن العربي بالطبع . والحقيقة أن هذه الديمقراطية قد تجاوزها الزمن وأصبحت أثراً بعد عين ، أكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو في معظم بلدان الغرب. وهنا لربما يجوز لي استثناء اسكندنافيا بشكل عام وفرنسا بشكل أو آخر. وهذه الديمقراطية لم تعد سوى شعارٍ أو يافطة للمشروع الاستعماري – الاستيطاني التوسعي ، لإعطائه "المشروعية" وإضفاء الصبغة الواقعية عليه ، وبالأخص فيما يتعلق منه بمنطقة الشرق الأوسط ، وعلى أخص الخصوص الوطن العربي . وكما أن السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة تكيل بمكيالين عندما يتصل الأمر بالشرق الأوسط وبالأخص الوطن العربي ، فإن الحال هو كذلك مع الديمقراطية التي أصبحت ظرفية وتتلوّن وفق الظروف والأهواء والمصالح ومتطلبات السياسة.

دخلت الديمقراطية في غيبوبتها يوم أصبح العالم أحادي القطبية

غُيبت الديمقراطية مع تغييب الأمم المتحدة ومجلس أمنها لتمرير العدوان الأميركي - البريطاني على العراق في عام 2003 ، لا بل غُيبت قبل ذلك بكثير ولربما مع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات في القرن الماضي . ولم يتبق من هذه الديمقراطية غير الشعار واليافطة كما أسلفت الذكر لرفعهما بين الحين والآخر خدمة لمصلحة المشروع الأميركي - الصهيوني الاستعماري التوسعي. نعم غُيبت الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية والعديد من بلدان الغرب وأدخلت غرفة العناية الفائقة "الإنعاش" مع تحول العالم إلى أحادية القطبية . غُيبت قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، فكيف الحال مع هذه الديمقراطية بعد ذلك التاريخ ؟ فالحرب على العراق التي شُنّت في عام 1991 وبعدها حرب البوسنة والهرسك "سراييغو" وحرب يوغسلافيا ومن ثم حرب أفغانستان واحتلالها وحرب العراق واحتلاله أخيراً مثلت شواهد حية للديمقراطية الغربية قبل وبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما ما يجري من استهداف للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة بصورة خاصة والعالم بما فيه الغرب بصورة عامة ، وهو ما اعترف وأقر به الأمين العام السابق للمنظمة الأممية المُغيبة كوفي أنان ، لهو شاهد آخر على الديمقراطية الغربية "وفضائلها ومحاسنها وحسناتها" !! ولعلّ ما هو حاصل من صَمتٍ مُطبقٍ تجاه التقتيل والحصار والتجويع والإذلال للإنسان والفتك بالشجر والحجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ما هو إلا شاهد الشواهد على هذه الديمقراطية المزيفة . ولا ننسى الديمقراطية الغربية المطبقة في معسكر غوانتانامو منذ احتلال أفغانستان عام 2002 . إنها الديمقراطية الغربية عامة والأميركية خاصة التي يريدون تصديرها إلى العالم الإسلامي والوطن العربي ، لا بل هي الديمقراطية التي يريدون فرضها عليهما قصراً بالعصا بدون جزرة وبالترهيب بلا ترغيب . ولا شك أن "الديمقراطية" الصهيونية المولودة أصلاً من ضلع الديمقراطية الغربية لا تقل عنها "سذاجة وسخافة" من حيث "الفضائل والمحاسن والحسنات" !

اسألوا صديقي عن "كرابيج" الديمقراطية الغربية "يقرئكم السلام" !!

قبل سبعة عشر عاماً قُدِرَ لصديقٍ عزيز جداً أن يتذوق "كرابيج" الديمقراطية الغربية ولم يزل طعمها تحت أسنانه ، لا بل لم يزل يدفع ثمن تلك الكرابيج حتى يومنا هذا . وهي إذا ما قيست بـ"كرابيج" الديمقراطية الغربية التي تذوقها مسلمون وعرب آخرون لا تُحصى أعدادهم منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حتى اليوم ، فلا تشكل "إبرة في كومة من قش" حسب تعبير لوزير الدفاع الأميركي السابق سيئ الذكر دونالد رامسفيلد استعمله مراراً وتكراراً قبل أن تتمكن قوات الاحتلال الأميركية من أسر الرئيس الشهيد صدام حسين في ديسمبر/ كانون الأول 2003 . نعم ، تذوقها صديقي قبل ذلك بكثير ، تذوّقها قبل سبعة عشر عاماً كما أسلفت الذكر . وكان ذلك في واحدة من أكبر "ديمقراطيات" الغرب ، لا بل في أُم الديمقراطيات الغربية كما يطيب للغربيين عامة والإغريق خاصة أن يطلقوا عليها . كانت ديمقراطية أبعد ما تكون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بها وفي مقدمها اتفاقية جنيف "حسنة الصيت والسمعة !!" ، تلك الاتفاقية التي لربّما تُطبق في معظم الأحيان على الجميع باستثناء المسلمين والعرب .
كان ذلك في يناير/ كانون الثاني 1991 ، وتحديداً في الثامن عشر منه بعد ساعات قليلة من قيام جيش الرئيس الشهيد صدام حسين بتوجيه صواريخه إلى تل أبيب رداً على بدء العدوان الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على العراق ، ذلك العدوان الذي حلا لواشنطن أن تُطلق عليه تسمية "عاصفة الصحراء" والذي وقع بذريعة (احتلال الكويت وضرورة تحريرها) على حد زعم الولايات المتحدة وشركاؤها في ذلك العدوان . حينذاك كان صديقي واحداً ممن راعهم ما حدث لألف اعتبار واعتبار ، أبرزها خوفه على العراق في الإطار القطري والوطن العربي في الإطار القومي الأوسع . لقد كانت الكويت هي الذريعة والمبرر ، ولو لم تكن لأوجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها ألف ذريعة وألف مبرر غيرهما !! كان صديقي في حينه يكتب لإحدى الصحف العربية الكبرى ، وكانت الصحيفة من أبرز الصحف المعارضة للاحتلال وصدام حسين مع أنها كانت تُطلق على الأخير إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران لقب "فارس العرب".

هي ديمقراطية المخابرات وغرف العمليات الأمنية المشتركة

خمسة أشهر وبضعة أيام كانت قد مرّت على ضم الكويت للعراق "باعتبار أنها الفرع الذي عاد للأصل" ، قضاها صديقي في تدوين أرقام لوحات سيارات جهاز المخابرات في ذلك البلد الغربي "الديمقراطي" والتي كانت تتابعه وتقتفي أثره أربعاً وعشرين ساعة في اليوم ، وفي محاولة التملّص من رجال الاستخبارات الدوليين الذين برزوا علي سطح الأحداث فجأة ومن دون إنذار مبكر ونشطوا تحت أسماء ومسمياتٍ مختلفة وملفقة . فمنهم من كان يقدم نفسه ككاتب أو باحث يسعى وراء بحث أو دراسة خاصة بمنطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي ، وآخر كان يقدم نفسه على أنه صحافي جديد يسعى وراء المساعدة ، وثالث كان يدعي أنه رجل أعمال وافد يسعى وراء الإعلان لأعماله ومشاريعه في الصحيفة التي كان صديقي يعمل بها. رجال مخابرات البلد الغربي "الديمقراطي" كانوا يطاردون صديقي متجنبين الاحتكاك المباشر به ، وكان جل اهتمامهم أن يضعوه تحت ضغط نفسي ثقيل ومكثف فقط . هكذا كانت الأوامر والتعليمات الصادرة إليهم من الجهات العليا. والوافدون الجدد من رجال الاستخبارات الدوليين ذو المهن المتعددة والمزيفة كانوا يبالغون ويفرطون في دعواتهم المتلاحقة لصديقي ، ربما كي يظل تحت عيونهم وأبصارهم . في حينه تأكد لصديقي أنه مقبل على ما لا تُحمد عقباه "ولربما على أيام سوداء ومظلمة" ، إذا ما "وقعت الواقعة" وشنت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الحرب على العراق ، لا لأنه كان متعاطفاً مع العراق ومؤيداً له ، ولا لأن البلد الغربي "الديمقراطي" كان يملك من المبررات ما يعطيه حق اعتقاله أو ترحيله ، إنما لأن إحدى السفارات العربية التي كانت ممثلة في غرفة العمليات الأمنية التي تشكلت في عاصمة ذلك البلد على غرار مثيلاتها في العواصم الغربية الأخرى بذريعة مواجهة "الأخطار المحدقة" كانت قد خاطبت وزارة الأمن في تلك العاصمة بشكل رسمي وطلبت منها ملاحقة ومتابعة صديقي، وإذا اقتضى الحال ترحيله على أول طائرة ، بغض النظر عن الجهة التي يرّحل إليها . المخاطبة تمت عبِرَ كتاب دبلوماسي رسمي حصل صديقي على نسخة منه سربها عميل محلي لسفارة العراق في تلك العاصمة . لكن صديقي وإن أخذ الأمر على محمل الجد وتهيأ لتبعاته سلفاً ، إلا أنه ظل كغيره يراهن حتى اللحظة الأخيرة على حكمة القيادة العراقية واحتمال انسحاب الجيش العراقي من الكويت طوعاً وسحب الذرائع من أيدي الولايات المتحدة الأميركية وجميع البلدان الغربية المتربصة شراً بالعراق خاصةً والأمة العربية عامة ... وهنا لا أستثنى تربص الكيان الصهيوني بالطبع . لكن حتى ذلك لم يفد ، لأن الولايات المتحدة وحلفائها كانوا قد اتخذوا قرار العدوان من قبل .

كانت اليونان البلد الغربي "الديمقراطي" الذي عنيت!!

البلد الغربي في بيت قصيدي كانت اليونان ، وقد سبق أن ألمحت إليهاً في سياق الإشارة إلى الإغريق وأم الديمقراطيات الغربية . نعم كانت اليونان حيث كان صديقي يقيم مع عائلته في عاصمتها ، وكان يعمل في الحقل الإعلامي كما أسلفت الذكر أيضا ً. وكانت الصحيفة العربية التي أشرت إليها سابقاً من بين وسائل الإعلام التي كان يكتب لها ، وهي كانت ولم تزل تتخذ من عاصمة الضباب وصاحبة الجلالة مقراً لها . كان صديقي في حينه يعتبر اليونان واحدة من بلدان العالم الثالث عشر لما للديمقراطية فيها من "قدسية !!" ندر وجودها في بلدان ديمقراطية حقيقية مثل البلدان الاسكندنافية، على سبيل المثال لا الحصر !! وقد عبّر عن ذلك في عدد غير محدود من مقالاته. كانت الحكومة اليونانية منزعجة من صديقي لأنه عُرف باهتمامه الخاص بشؤون المسلمين في منطقة "تراقيا" شمال اليونان على تماس مع الحدود التركية. وعبّر عن ذلك في مقالاته أيضاَ ، كما وأقام علاقات وصلات طيبة مع تلك الأقلية اليونانية ومع ممثليها في البرلمان الذين كانوا لا حول لهم ولا قوة لأن الإعلام المحلي والدولي تعمدا على الدوام تجاهلهم وتجاهل أقليتهم ومنطقتهم . ولم يكن حال الدبلوماسيون المسلمين والعرب بأفضل من حال الحكومة اليونانية تجاه صديقي ومواقفه ، بل لربما أنه كان أسوأ وأمر وأدهى . وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة الأكثر انزعاجاً بين كل هؤلاء من صديقي ، لكن لسبب أو أسباب أخرى أقلها أنه كان يبدي حضوراً ديناميكيا في الندوات السياسية العامة والخاصة التي اعتاد حضورها كبار السياسيين اليونانيين بمن فيهم رئيس الحكومة لم يكن ليتوفر عند رأس الدبلوماسية المقصود وأقرانه من الدبلوماسيين الآخرين وبالأخص العرب منهم . فقد امتاز صديقي بجرأة وطنية وقومية كانوا يفتقدونها ، وكانت تخوله مماحكة أولئك السياسيين ورئيس حكومتهم ومحاورتهم بجرأة وشجاعة ، وحتى انتقادهم شفهياً وفي مقالاته لأن اليونان في ذلك الوقت كانت قد شرعت في مغازلة الكيان الصهيوني وبدأت تتخلى تدريجياً عن موقعها ودورها كجسر لعلاقات التواصل الطيبة بين الغرب والعرب . في حينه وصل اليمين اليوناني "حزب الديمقراطية الجديدة" بزعامة قسطنطين ميتسوتاكيس إلى السلطة بعد هزيمة انتخابية أنزلها باليسار الاشتراكي "حزب الباسوك" وزعيمه التاريخي أندرياس باباندريو ، وانحرف بالسياسة اليونانية الخارجية "180 درجة" معاكسة للنهج الباسوكي الداعم للعرب والقضية الفلسطينية ، واعترفت اليونان لأول مرة منذ عام 1948 بالكيان الصهيوني اللقيط . وكانت الحكومة اليونانية منزعجة من مواقف صديقي الخاصة بهذه المسألة . الحكومة اليونانية لم تستطع ترحيله وإن تمكنت من ملاحقته ومتابعته. لم تستطع ترحيله لأن حصانته الصحفية كانت تمنعها من ذلك ، ورأس الدبلوماسية لم يستطع هو الآخر أن يُحقق مطلبه لأن صديقي كان يتمتّع بحصانة لا تقل قوة عن حصانته.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى ضوء احتلال الكويت وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين اليونان وإسرائيل انعقد في أثينا مؤتمر دولي سري تحت عنوان "مواجهة الأصولية القادمة من الشمال" رعته وكالة الاستخبارات الأميركية "C.I.A" وأشرف عليه رئيس مجلس إدارة إحدى محطات التلفزة اليونانية ورأس المؤتمر وسيط السلام الأميركي اللبناني الأصل المغفور له فيليب حبيب . صديقي كان الصحافي والكاتب الشرق أوسطي الوحيد المشارك في ذلك المؤتمر بحكم علاقاته الخاصة والمتميزة مع أحد كبار العاملين في محطة التلفزة المذكورة ، وكان الشاهد العربي الوحيد على مشاركة عدد من السياسيين الدوليين والعرب والإسرائيليين السابقين في ذلك المؤتمر . وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة نجماً من نجوم ذلك المؤتمر ، وقد تصدر الطاولة الرئيسية أثناء العشاء الختامي للمؤتمر إلى جانب فيليب حبيب والسفير الأميركي والوفد الصهيوني . وكان صديقي أيضاً شاهداً على جلسته "الحميمة" التي لم يحسده عليها أحد من الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين لبّوا دعوة العشاء ، وهو ما زاد في انزعاج سعادته من صديقي أكثر فأكثر. ذلك المؤتمر مثّل بالطبع وجهاً من وجوه "الديمقراطية" الغربية لأنه شكل حلقة من حلقات التآمر على المسلمين والعرب في العالم وبالأخص في الغرب !!

اتخذ جورج بوش الأب قرار العدوان وكشرت الديمقراطية الغربية عن أنيابها السامة

مع اتخاذ الرئيس الأميركي في حينه جورج بوش الأب قرار العدوان على العراق وتحديد ساعة الصفر ، أعلنت حالة الطوارئ القصوى في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الغرب ، وبالطبع في اليونان . ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر ، سقطت الديمقراطية الغربية ، بل غُيبت ، وسقطت وغُيبت معها جميع حقوق الإنسان وبالذات الإنسان العربي ، والاتفاقيات التي تضمن هذه الحقوق هذه بما فيها اتفاقية جنيف . ولم يعد هناك من قيمةٍ تُذكر لجميع الحصانات ، الصحفية منها والدبلوماسية . نعم سقطت الحصانات جميعها. وكما كان مقرراً أن يدفع العراق ورئيسه ونظامه ثمن التمرّد على الإرادة الغربية عامة والأميركية خاصة وكذلك الإرادة الصهيونية ، أصبح من واجب كل بلد أن يصفي حساباته مع خصومه السياسيين الذين "تمادوا" في جرأتهم وتوجيه الانتقاد والنقد له ولسياساته . وكانت "الديمقراطية" الغربية هي الشعار واليافطة . والتقط ممثلو البلدان في غرفة العمليات الأمنية في أثينا كغيرهم في الغرف المماثلة في العواصم الغربية الأخرى الفرصة للانتقام من خصومهم كذلك . ومع اتخاذ قرار العدوان وتحديد ساعة الصفر أُطلق العنان لـ"الديمقراطية" الغربية لتعربد وتصول وتجول كيفما تشاء وتهوى . كانت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والكيان الصهيوني وبلدان عربية وثيقة الصلة بواشنطن إضافة إلى البلد المُضيف ممثلين في غرفة العمليات الأمنية "حسنة الصيت والسمعة" تلك . ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر انتشر رجال مخابرات تلك البلدان على عجلٍ سعياً وراء "خصومهم" من الشبان العرب لاصطيادهم والحصول على أوسمة رفيعة من الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني وترقيات من بلدانهم مقابل ذلك . كله جرى في ظل "الديمقراطية" الغربية التي لطالما تغنت بها بلدان الغرب وسعى الرئيس جورج بوش الأب وراء تطبيقها بل فرضها في الوطن العربي ، كما سعى "سرُ أبيه" الرئيس جورج بوش الابن وراء تطبيقها وفرضها على الوطن العربي ، لكن بأكثر حدة وصرامة وحماقة وكراهية وعداوة . فأيام الأب كان العالم ثنائي القطبية أما الآن وفي عهد الابن الذي أوشك على الانتهاء فالقطبية واحدة ومحصورة بالولايات المتحدة دون سواها .

بدأ العدوان وبدأت "الديمقراطية" الغربية تعبر عن ذاتها بشراسة ما بعدها شراسة

مع فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991 بدأ العدوان وألقت الطائرات الأميركية والغربية حِممها وجميع أنواع قنابلها فوق العراق وفي المنطقة الحدودية مع الكويت ، كما وجهت البوارج جميع أنواع صواريخها باتجاه العراق والمنطقة الحدودية أيضاً ، وتحوّلت منطقة الخليج إلى جحيم حقيقي أتى على الأخضر واليابس والبشر والشجر والحجر. القنابل والصواريخ الأمريكية والغربية أتت على كل ما كان يتحرك في العراق وعلى حدوده من الأهداف البشرية والآلية ، بكل ما امتلك واختزن أصحابها من حقد على العراق والوطن العربي . تحول العراق بمنطقته الحدودية إلى مقبرة حقيقية مفتوحة للجثث المحترقة ، كما أن الآليات العسكرية والمدنية تحولت إلى ركام من المعادن المُحطمة والمحترقة . ومع بدء العدوان في فجر ذلك اليوم ، استُنفرت غرفة العمليات الأمنية في أثينا كما استُنفرت جميع غرف العمليات الأمنية في بلدان الغرب "الديمقراطية ، استنفرت بشراسة ما بعدها شراسة . ومع قصف تل أبيب بالصواريخ العراقية مع صبيحة اليوم التالي ، رفعت غرفة العمليات في أثينا مثلها مثل غرف العمليات في العواصم الغربية الأخرى من درجة استنفارها وتأهبها إلى الحد الأقصى ، وبدأ رجال المخابرات في استدعاء ، بل القبض على كل من أشَّرَ إليه أركان تلك الغرفة ، وبالأخص العرب . كان صديقي يتناول الغداء مع واحدٍ من رجال استخبارات البلد العربي المُمثل في غرفة العمليات كان قد قَدَم نفسه له كرجل أعمال قادم من الولايات المتحدة الأميركية ويريد الإعلان عن مشاريعه في الصحيفة العربية "المذكورة" التي كان صديقي يراسلها . كان صديقي يتناول الغداء مع "رجل الأعمال" الاستخباراتي بناءً لدعوة مبكرة وعاجلة على ما بدا حتى يكون تحت عين الغرفة الأمنية وفي متناول أيدي الممثلين فيها. اتصل أبناء صديقي به على عجل وأبلغوه بضرورة العودة إلى البيت لأمر عاجل وبناء لتعليمات من رجال المخابرات. استأذن من مُضيفه الاستخباراتي ليستقبله رجال المخابرات على الباب ويطلبوا منه مرافقتهم مصحوباً بإقامته وجواز سفره بذريعة أن وزير الأمن ينتظره في الوزارة لأمرٍ هام. كانت الوزارة تعُجُ بالعرب وبالأخص الفلسطينيين ممن أوقفتهم أجهزة الأمن والطوارئ . قيلَ لصديقي يومها أنه مهدد بالقتل وأن الوزارة بصدد التحفظ عليه مؤقتاً لحمايته والحفاظ على سلامته . استضافوه في غرفة مزودة بهاتف لإجراء مكالماته الهاتفية ، وكانت مفتوحة على بهو يمتلئ بالموقوفين العرب وبالأخص الفلسطينيين ممن كانوا يقيمون في اليونان بحكم أعمالهم أو دراساتهم الجامعية . أجواء من "الديمقراطية" المتناهية كانت تُخيم على وزارة الأمن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه رئيس الوزراء اليوناني في حينه قسطنطين ميتسوتاكيس أنه "سيكنّس أثينا من العرب وينظفها منهم" ، وهذا تعبير غربي "ديمقراطي" أيضاً !! ومع ساعات الليل الأخيرة ساقوا صديقي إلى زنزانة مليئة بالموقوفين العرب معظمهم من الفلسطينيين ، فأيقن عندها أنه سيكون ضيفاً ثقيلاً على "ديمقراطية" اليونان وأن ما ينتظره سيكون أعظم وأخطر . في حينه كانت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية تبث خبر اعتقال صديقي وقرار الحكومة القاضي بترحيله ، وفق ما علم فيما بعد . ظهر اليوم التالي وبدل أن يتمَ الإفراج عنه حسبما قيل له كذباً وبهتاناً ، اقتادوه إلى سيارة تحمل لوحة من اللوحات التي كان قد دونها إبانَ فترة متابعته بعد احتلال الكويت توجهت به إلى المطار مصحوبة بآلية مصفحة تابعة للأمن اليوناني . أدخلوه إلى مُدرج المطار عِبرَ بوابة جانبية لتحاشي الحشد الإعلامي الذي كان ينتظره في بهو المطار. أدخلوه إلى المدرج ومن ثم ساقوه باتجاه طائرة كانت وجهتها إلى ليبيا التي لم يسبق له أن زارها برغم عديد الدعوات التي كانت توجه إليه أثناء احتفالات الفاتح من سبتمبر/أيلول والتي لم يُلبِ واحدة منها . حاول الامتناع وطلب تسفيرهُ إلى لبنان أو الأردن أو يوغوسلافيا ، فكان الرفض وتخييره بين الطائرة المتوجهة إلى ليبيا أو طائرة "العال" الصهيونية التي كانت متوقفة على مسافة ليست ببعيدة . كانوا يعنون ما قالوه له ولم يكن ذلك من باب التهديد والتخويف . في النهاية دفعوا به دفعا بكل ما تحمله "الديمقراطية" الغربية من وحشية وخشونة وعدم كياسة ولباقة إلى داخل الطائرة . نعم كان ذلك الدفع من "آليات الديمقراطية" الغربية !! لم يُسمح لصديقي أن يودع عائلته أو أن يمرّ على بيته للحصول على بعض الملابس والنقود أو كتابة توكيل لزوجته للتصرف في ضرورات المنزل والعائلة "النقدية" . دخل الطائرة بالملابس التي كان يرتديها وفي جيبه آلاف الدراخمات ـ العملة اليونانية قبل اعتماد اليورو ـ التي لم يكن لها قيمة خارج اليونان لتعذر استبدالها بعملات أخرى . هي "الديمقراطية" الغربية بعينها التي يريدون تصديرها للوطن العربي أو فرضها بقوة الترهيب ، "ديمقراطية إذلال الكرامة والإرادة والروح عند الإنسان العربي . نصف ساعة أو أكثر قضاها صديقي في الطائرة وحيداً قبل أن يتدافع الدبلوماسيون العراقيون وعائلاتهم إلى داخلها مرحلين أيضاً ، تنفيذاً لقرار دولي شمل جميع البعثات الدبلوماسية العراقية في العالم وقضى بتخفيضها إلى الحد الأدنى . وهال صديقي أن يعرف منهم أن اسمه كان مدرجاً أيضاً على القائمة الدبلوماسية التي سلمها وزير الخارجية اليوناني للسفير العراقي ، قائمة الدبلوماسيين غير المرغوب في بقائهم فوق الأراضي اليونانية ، علماً أن صديقي لم يكن في يوم من الأيام دبلوماسياً ، لا عراقياً ولا فلسطينيا ً، ولم يكن حتى دبلوماسياً بطبعه وتعامله مع الآخرين . لكنها الديمقراطية اليونانية التي تمثّل وجهاً من وجوه "الديمقراطية" الغربية التي تعمل على وضع العربي في القالب الذي تريد وتهوى.. المهم أن يتشكل ذلك ويتواءم مع آليات ومتطلبات تلك الديمقراطية البائسة . وصل صديقي إلى لبيبا مع انفراط عقد مظاهرة المليون التي تصدرها في 19 يناير/ كانون الثاني 1991 في طرابلس العقيد معمر القذافي تأييداً للعراق ورفضاً للحرب ضده . وصل وأحسنت وفادته وضيافته . أيام قلائل بعدها انتقل إلى تونس للالتحاق بأبناء جلدته الذين كانوا ما يزالون في تونس كواحدة من المنافي الفلسطينية . هناك عرف أن مئات بل آلاف العرب جُلهم من الفلسطينيين الذين اعتنقوا الفكر القومي العربي أو تعاطفوا معه قد سبقوه مُرحلين إليها من اليونان وبلدان غربية "ديمقراطية" أخرى كثيرة ، لا لسببٍ إلا لأن الفكر القومي العربي لا يتوافق مع هواهم ويتعارض بل ويتصادم مع متطلبات "الديمقراطية" الغربية !!

إنها حكاية الإنسان العربي مع ديمقراطية "الحرباء" الغربية !!

حكاية صديقي مع "الديمقراطية" الغربية التي لم تزل تؤرق جفونه وتقض مضجعه وتُنغص عليه أحلامه حتى أحلام اليقظة منها ، والتي لم يزل طعمها تحت أسنانه حتى اليوم ، هي حكاية عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما حكايات بل مآسي عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة بعد ذلك التاريخ مع تلك الديمقراطية ، فهي أدهى وأمر وأكثر إيلاماً. وإذا كانت الكرامة والإرادة والروح العربية قد تعرضت للإذلال والمهانة قبل ذلك التاريخ ، فهي معرضة الآن للقتل والفتك والإبادة . هذا إذا قُدّر للكيان الصهيوني أن يحافظ على استئثاره أو يستأثر أكثر فأكثر بملف السياسة الغربية وبالأخص الأميركية في الوطن العربي . وكذا الحال مع "الديمقراطية" الغربية وبالأخص الأميركية ، وهي بيت قصيدنا هنا . فهذه "الديمقراطية" التي كانت مضرب مثل في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومغناطيساً يجذب الناس وبالأخص من العالم الثالث إليها ، فقدت بريقها مع بداية العقد الأخير من ذلك القرن وأصبحت بلا جاذبية تُذكر. فهي بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تحولت إلى "حرباء" تتلون وفق متطلبات الظروف وضرورات السياسة الاستعمارية - الاستيطانية التوسعية الجديدة. إنها "الديمقراطية" التي تأخذ تارةً لغة الدفاع عن حقوق الإنسان كما هو كان الحال في الصين ، وتأخذ تارة أخرى لغة مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق المرأة كما كان الحال في أفغانستان ، وتأخذ تارة ثالثة لغة مصادرة أسلحة الدمار الشامل المزعومة لتدميرها لخطرها على السلم والاستقرار والأمن في العالم كما كان الحال في العراق ، وتأخذ تارة رابعة لغة الدعوة إلى تطوير الأنظمة وتغيير بنيتها لتنتج ثقافة التسامح بدلاً من إنتاج ثقافة أصولية تشكل تربة خصبة للإرهاب" كما يزعم الغرب وفي مقدمه الولايات المتحدة طبعاً . وقبل هذه مجتمعة يجب أن لا ننسى وجه هذه "الديمقراطية" المكشر عن أنيابه بشراسة واستمرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ترى إلى متى سيستمر العرب على ما هم عليه من استسلام وإذلال مُهينين أمام هجمة "الديمقراطية" الغربية وبالأخص الأميركية ـ الصهيونية المشتركة المزعومة؟!!

حكاية عربي مع "ديمقراطية الغرب" بدأت في عام 1991 ولم يزل صداها يدوي في عام 2008 الجاري ولا يعلم مستقراً لها أو لصداها إلا الله تعالى.

محمود كعوش

كاتب وباحث مقيم في الدانمارك