2008/09/06

تحية تضامن مع روسيا : رسالة مفتوحة الى القيادة الروسية

سْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


شبكة البصرة

صلاح المختار

سيادة الرئيس مدفيديف المحترم

سيادة رئيس الوزراء بوتين المحترم

قبل كل شيء انقل لكم اطيب مشاعر وتحيات الشعب العراقي وطليعته الشجاعة المقاومة الوطنية العراقية، وتضامنه معكم في تصديكم لمحاولات الاستعمار الامريكي الاستمرار في اضعاف روسيا والتجاوز على مصالحها الستراتيجية. اننا، نحن شعب العراق، اكبر ضحية لامريكا في كل تأريخها الاجرامي الفريد، بعد جريمة ابادة 112 مليون هندي احمر، نعلن بلا تردد باننا نقف معكم بقوة ضد محاولات الناتو التوسع شرقا وضد نصب صواريخ ستراتيجية امريكية في المجال الحيوي لروسيا، في عملية استباقية لمنع روسيا من النهوض مجددا وتمهيدا لتقسيمها، من خلال دعم العناصر الانفصالية في الاتحاد الروسي، بعد ان قام الغرب الاستعماري، وبمساعدة عناصر عميلة له عملت في افغانستان بشكل خاص بالمساعدة على تقسيم الاتحاد السوفيتي الذي كان القوة الرادعة للاستكلاب التوسعي الامريكي.

ان خطوتكم الاستباقية في جورجيا عمل جبار، من الناحية الستراتيجية، سواء بتوقيته او غاياته او تكتيكاته، وستكون له عواقب عالمية تخدم حركات التحرر والشعوب المضطهدة من قبل الاستعمار الغربي. وبما ان هذا العمل له صلة مباشرة بالعراق المحتل ويؤثر في مجرى الثورة العراقية المسلحة ضد الاستعمار الامريكي اسمحو لنا بعرض بعض الملاحظات الجوهرية التالية :

1 – ان (كعب اخيل) امريكا هو العراق، ونرجو ان لا تصدقو دعاية امريكا التي تقول بان المقاومة العراقية قد تراجعت، لان الذي تراجع هو عنف فرق الموت الامريكية والايرانية وليس عمليات المقاومة الوطنية، ولذلك فان مشروع امريكا الاستعماري للسيطرة التامة على الكرة الارضية يمكن ان يدفن في العراق. فقط بدعم المقاومة الوطنية العراقية وتعزيز قدراتها العسكرية يمكن التعجيل بانهاء الاستعمار الامريكي في العالم كله، عبر تضييق الخناق حوله في العراق والحاق الهزيمة به وجعله عاجزا عن شن عدوانات اخرى على شعوب اخرى، وتخليص البشرية كلها من شروره التي راينا ابشع صورها في العراق. ان تاريخ الجنس البشري لم يشهد على الاطلاق وحشية كالوحشية الامريكية، لذلك فان مفتاح دحر امريكا عالميا واجبارها على الانكماش هو دعم المقاومة العراقية من قبل روسيا بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة.

ان مفتاح تحرر العالم بتحييد امريكا، رهن بالانخراط الروسي في معركة العراق، قاتلو امريكا خارج حدودكم وبعيدا عن النطاق الحيوي لامنكم القومي، تماما كما تقوم امريكا الان بمقاتلتكم خارج حدودها في اوكرانيا وجورجيا وبولونيا وغيرها، والعراق الان ساحة حرب مفتوحة تخوضها امريكا، وعلينا جميعا ان نستغل هذه الفرصة التاريخية الفريدة بان نجعل اقدام امريكا مغروسة بقوة في اعماق المستنقع العراقي لمنعها من حرية التحرك (تثبيتها في مكانها بالتعابير العسكرية) وجعلها هدفا تسهل اصابته.

هنا في وطننا الحبيب العراق، وليس في اي مكان اخر، يمكن دحر امريكا والقضاء على سعارها الاستعماري الجنوني، أتركو كل مناطق الصراعات الاخرى وركزو على معركة العراق فهي الاسهل والاقل تكلفة، فلا تضيعو الفرصة التاريخية المتاحة لكم ولنا وللانسانية كلها، التي رات في امريكا ألة قتل لا تتوقف الا عند تحطيمها. ان امريكا لا تحكمها مبادئ اخلاقية او قانونية بل هي وحش مفترس يلتهم كل ما يحيط به او يصل اليه بلا تردد لذلك فهي لاتفهم الا لغة القوة.

2 – اننا نعرف جيدا ان هذا العصر هو عصر مصالح وليس عصر ايديولوجيات، ولكننا ايضا نعرف من خلال الخبرة والتجربة التاريخية ان المصالح اقوى من الايديولوجيات، الم تسقط الايديولوجية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وبقيت المصلحة القومية الروسية؟ لذلك فان روسيا وهي تتعرض لهجوم امريكي مدعوم من قبل دول اوربية، والهادف الى تقسيمها او على الاقل الحاقها بالغرب والغاء دورها كقوة عظمى، مضطرة للدفاع عن مصالحها من خلال منع امريكا من السيطرة على النطاق الحيوي للامن القومي الروسي الاقليمي، وهو وسط وشرق اوربا، واستخدامه لالغاء دور روسيا العالمي. وبحكم طبيعة هذا الصراع فان روسيا بحاجة لاوسع دعم عالمي ممكن لمسعاها منع امريكا من الانفراد بالسيطرة على العالم كما قلتم سيادة الرئيس مدفيدف. وهنا اسمحو لي ان اؤكد بان الاف الملايين من سكان الكرة الارضية جاهزون لدعم روسيا بقوة

3 – اننا نعرف بان الراسمالية الامريكية، وهي تعاني من امراض الازمة البنيوية واعراض شيخوختها، تحاول التعويض عن عجزها الداخلي عن حل ازمتها تلك بغزو العالم وتحويله الى غرفة انعاش ضخمة توقف تدهور وضعها، لذلك فان السعي للسيطرة على العالم ومنع اي قوة من منافسة امريكا، بالاخص تكنولوجيا واقتصاديا، هو في المقام الاول تعبير دقيق عن تلك الازمة وليس فقط نتاج نزعة استعمارية عادية. وفي ضوء هذه الحقيقة فان امريكا امام خيارين لا ثالث لهما : الاول هو مواصلة محاولات استعمار العالم كله وبلا استثناء لضمان الموارد الكافية لايقاف او تأخير انهيار النظام الراسمالي الامريكي، والثاني التوقف وقبول عالم متعدد الاقطاب، وفي هذه الحالة فان امريكا سوف تنحط بسرعة لتصبح دولة اقل اهمية من الصين والاتحاد الاوربي وروسيا وحتى من الهند خلال فترة بين 15 و20 عاما. ان هذه الحقيقة هي التي تجعلنا متيقنين من ان امريكا لن تتوقف عن محاولات تقسيم روسيا ومنعها من استعادة دورها العالمي، وهنا يكمن بالضبط مصدر التوترات والصراعات العالمية القادمة وهي صراعات طويلة زمنيا وحادة ومتعددة الاشكال، حول تشكيل او عدم تشكيل نظام عالمي متعدد الاقطاب. ما نريد قوله بوضوح تام هو ان الصراع باي مستوى مع امريكا هو حتمية لا يمكن تجنبها وهو عمل دفاعي الطبيعة ولابد منه وليس ثمرة نزعة ايديولوجية. ولذلك فاننا مثلكم لا ندعو لحرب باردة جديدة بل ندعو للعدالة واحترام حق الشعوب ومصالح الاخرين، والتخلص من نزعة (المركزية الغربية) التي انبعثت من جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. والعدالة النسبية في العالم لن تتحقق الا بقيام نظام عالمي متعدد الاقطاب تكون روسيا فيه قوة عظمى مقررة.

الرئيسان المحترمان مدفيدف وبوتين

لقد كتبت لكم بصفتي مناضلا وطنيا عراقيا ضد الاحتلال الاستعماري الامريكي للعراق، ومن المؤمنين بان الصداقة بين شعبينا المبنية على المصالح المشتركة يمكنها الان ان تكون القوة الاساسية في منع استعمار العالم، ليس لان العراق قوة عظمى بالمعايير التقليدية بل لان امريكا تحاول استعماره بعد غزوه، الامر الذي اوصل امريكا الى ارض العراق ووضع شعبنا العراقي العظيم امام مسؤولية مقاتلة امريكا حتى النصر الحاسم. ان معركة العراق تتطور وتتوسع الان بعد ان استقرت موازين القوى داخل صفوف المقاومة العراقية وتحددت طبيعتها وقوتها الرئيسية.

اننا نؤكد لكم بان الحاق الهزيمة بامريكا في العراق امر واقعي وممكن، وهو اسهل الخيارات واقلها تكلفة من بين كل الخيارات الاخرى لتحييد امريكا، واقصر الطرق مكانيا وزمانيا، واذا درس خبراءكم هذه الحقيقة فسوف يصلون الى قبولها، وعندها سوف تكون عملية دعم المقاومة العراقية هي الخيار الذي يوفر للبشرية فرصة التخلص من مصدر الازمات دون خوض حروب عالمية او اقليمية اخرى. ان الاكتفاء بدعم المقاومة العراقية لاجل حسم معركة العراق هو الضمانة الاساسية لمنع انبعاث حرب باردة جديدة واندلاع حروب عسكرية كثيرة.

واخيرا اود التطرق الى مثل عربي قديم يقول (اذا اردت قتل افعى فاضربها على راسها)، والحكمة في هذا المثل هي ان الافعى اذا ضربت على ذيلها ستعود للانتقام بشدة بسمها القاتل، وجورجيا ذيل الافعى وليس راسها، لذلك فان من الاكيد ان امريكا وحلف الناتو سيعودان باحقاد مركزة للتأمر على روسيا بطرق مختلفة، بعد ان وجهت روسيا ضربة ستراتيجية ذكية لامريكا في جورجيا. وهنا لابد من تذكر ان راس الافعى الامريكية الان في العراق.

نتمنى لروسيا التقدم والازدهار واحتلال موقع الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى لا يستطيع احد تجاهلها او التجاوز على مصالحها الحيوية. تقبلو احتراماتنا.

لا للحوار مع من لا شرعية له

النفطي حولة :

صمت آذاننا بالدعوة التي وجهها الاتحاد الديمقراطي الوحدوي للحوار وكثر حولها النقاش والردود وكأن الذي يحدث أمرا غير مسبوق من حزب يعلم القاصي والداني أن ميلاده كان اثر عملية قيصرية من رحم السلطة كانت في الأصل لضرب التجمع الوحدوي الديمقراطي الذي كان يسمى التجمع القومي الذي كان يتزعمه الأستاذ بشير الصيد . وكانت نشأته المستمدة من أجهزة مخابرات السلطة تستهدف أيضا كل القوميين الناصريين المؤمنين باستقلالية حركتهم عن الأنظمة العربية ولو كانت في مثل نظام مصر عبد الناصر الزعيم الخالد للأمة العربية . وإذ احيي بالمناسبة كل الإخوة والأخوات الناصريين و الناصريات الذين عبروا عن رفضهم لهذه الدعوة وهم جادين في ذلك من اجل توعية و إقناع ضعاف النفوس من بعض الإخوة بعدم الدخول لمستنقع الحوار الديماغوجي المصطنع حتى لا يحشرون في حزب لا يكتسب أدنى المشروعية للحديث باسم الناصريين فاني أتوجه بكل لطف ومحبة لهم ولكافة القوميين الذين لا يريدون الجلوس على الربوة والساعين من اجل بناء المشروع الناصري المستقل الديمقراطي والمناضل بالملاحظات التالية :
-لا تحسبوه ندا لكم بردودكم الصادقة والحقيقية لأنه لا شرعية له.

- لا تعطوا أهمية بغيرتكم على المشروع القومي الناصري لمن لا أهمية له إلا كرقم في خارطة طريق السلطة وديكورها .

-لا ترهقوا أنفسكم وتكلفوها عناء الرد عن دعوة مشبوهة صادرة من حزب لا يكتسب الشرعية التاريخية ولا النضالية ولا الجماهيرية لتمثيل القوميين الناصريين بل يستمد وجوده من ظل السلطة وخيالها .

- لا داعي للرد على مبادرة مشبوهة كل الناس يعلمون أنها مرتبطة بأجندة انتهازية لملا بعض الكراسي التي ستمنحها لهم السلطة كعربون تأييد وولاء لسياستها المنتهجة داخليا وخارجيا .فسياسة أحزاب الديكور هي سياسة النعامة يعني لا يكفيها الرضاء وشهادة الزور مع السلطة ضد ما يحاك للجماهير من انتهاكات لحقوقها وحرياتها بل تزيد على الطين بلة بان تدك رأسها في التراب وهذه سياسة الاتحاد الديمقراطي الوحدوي التي يمارسها منذ نشأته الغير طبيعية إلى الآن والى الغد وبعد غد .
فكيف نصدق دعوة حزب مصيره ومستقبله رهينة تسمية فلان آو علان في موقع دبلوماسي أو تسديد مقعد شاغر في هذه المؤسسة أو تلك ؟
لماذا نكلف أنفسنا ونخسر من وقتنا وجهدنا الرد على ما سمي بالمبادرة المهزلة ؟ إن موقع الاتحاد الديمقراطي الوحدوي قد اختاره بنفسه وهو العزلة عن الجماهير وقضاياها وإدارة ظهره عن قضايا الأمة في التحرر والوحدة .
و لا تغرينا بعض مواقفه الاستعراضية في المناسبات القومية في شكل بيان أو تعليق أو ندوة طالما أنها لا تحرج السلطة في شيء. كما لا تغرينا بعض الدراسات النظرية أو البيانات السياسية ذات الصيت القومي البراق من هنا وهناك لأنها مستمدة من الكتب والدراسات وهي لا يمكن أن تكون إلا زيادة في خداع الجماهير العربية .
و الآن اخلص للسؤال التالي :هل ما زال بعد هذا من مبرر للاتحاد الديمقراطي الوحدوي لإطلاق حوار مع من يعتبرونه ليس أهلا للحوار ؟ إن الحوار السياسي يكون في الأصل بين القوى الوطنية والتقدمية . إن الحوار يكون أساسا بين من يملكون الشرعية ونحن نعتبر أن الاتحاد الديمقراطي الوحدوي فاقد للشرعية منذ أن تأسس . وبناء على ذلك لا يستحق منا أي حوار فهو آخر من يتكلم عن الحوار

2008/09/05

المنظمة الديمقراطية للشغل المنظمة الديمقراطية للصحة المكتب الوطني


بيـــــــان

إضراب وطني إنذاري لمدة 48 ساعة
يومي الأربعاء والخميس17 و 18 شتنبر 2008
بمختلف المندوبيات والوحدات الصحية الوقائية والمستشفيات
باستثناء المستعجلات ووحدات الإنعاش والعناية الفائقة

عقد المكتب الوطني للمنظمة الديمقراطية للصحة العضو بالمنظمة الديمقراطية للشغل إجتماعا له يوم السبت 30 غشت2008 ، خصصه لدراسة وتقييم النتائج الأولية للسنة الاجتماعية الحالية ورسم آفاق المستقبل النضالي المرحلي، على ضوء مستجدات الساحة الاجتماعية والصحية، فبعد أن ترحم أعضاء المكتب الوطني في بداية الاجتماع على روح الفقيد الممرض عبد الله فجري الذي استشهد وهو يؤدي واجبه الإنساني والمهني في مستشفى الأمراض النفسية بسلا، وعلى أرواح كل شهداء النضال الديمقراطي والنقابي، وشهداء الوحدة الترابية، وبعد الاستماع إلى العرض الذي قدمه الكتاب العامون لكل من المنظمة الديمقراطية للممرضين والممرضات والمنظمة الديمقراطية للأطر الإدارية والتقنية والأعوان والمنظمة الديمقراطية للأطباء، والتي تناولت في مجملها بالدرس والتحليل سمات الوضع الوطني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، حيث تم الوقوف مجددا على خطورة الوضع الاجتماعي المتسم باستمرارتدني المستوى المعيشي للطبقة العاملة ولعموم الكادحين، نتيجة استمرار سياسات رفع أسعار المواد الأساسية، وتزايد ممارسات النهب والفساد واقتصاد الامتيازات والريع، في ظل عجز حكومي عن تبني مقاربة اجتماعية واقتصاد تضامني، يرميان إلى تكريس مبدأ العدالة والإنصاف بين مختلف شرائح المجتمع، وعن عدم قدرتها على معالجة مختلف مظاهر العجز الاجتماعي، من فقر وأمية وبطالة بما فيها بطالة الخريجين والدكاترة ، مما أدى إلى خلق حالة من اليأس والتذمر والاحتجاج لدى شرائح واسعة من المواطنين في المدن كما في البوادي، لتوصل أصواتها عندما تشعر بالتهميش والاحتقار والنسيان، أو عندما تهدر كرامتها؛ آخرها أحداث سيدي إفني وما لقيته من مواجهة أمنية شرسة، عنيفة أعادت معها مختلف أساليب القمع والارهاب بدل لغة الحوار والانصات إلى هموم وتظلمات الساكنة وتلبية الحاجيات الملحة والمستعجلة لساكنة أيت باعمران أو لغيرها من المناطق المهمشة على امتداد ربوع الوطن.

أما على مستوى الخدمات الصحية فإنه عكس مايروجه الخطاب الرسمي، فإن الحق في الصحة لدى صناع القرار والسياسات في المغرب ظل ولازال يعتبره مجالا ثانويا بعيدا عن الأولويات، وبالتالي فالقطاع الصحي كقطاع اجتماعي إنساني أصبح يعرف حالة من التردي لم يسبق لها مثيل، حيث تم التراجع عن سلسلة من المعايير والمحددات الضامنة لإعمال الحق في الصحة وحقوق المريض الإنسانية، كما تخلت الوزارة الوصية عن مسؤولياتها الرئيسية في ضمان الحق في العلاج المجاني وتوفيرالأدوية اللازمة والكافية لكافة المواطنين وخاصة منهم ذوي الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة، فقد أصبح الحصول على الرعاية الصحية متوقفا على قدرة الفرد على دفع تكلفتها، وتحول المرضى من مواطنين لهم حقوقهم وعليهم مسؤوليات إلى زبناء وأرقاما يتاجر بصحتهم، كما أصبح مشروع التأمين الإجباري عن المرض الذي هللت له الحكومات على نطاق واسع، آلية لنهب المنخرطين في التعاضديات وصناديق التأمين مقابل تغطية هزيلة وخدمات صحية ضعيفة، ومقابل مصاريف باهضة الثمن لايتم استرجاع إلا نسبة ضئيلة منها لاتتعدى 40 % في أقصى الحالات، سواء كانت مصاريف للأدوية أو مصاريف للعلاجات، كما ظل مشروع المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود بين مطرقة مختبرات التجارب وسندان التصريحات والشعارات الحكومية الجوفاء.

لقد أصبح القطاع الصحي العمومي يشكو من انعدام المسؤولية والمراقبة وتزايد أشكال الفوضى والتسيب وغياب الشفافية وسيادة منطق القرارات الإنفرادية أحيانا مملاة من خارج القطاع لأهداف سياسية ضيقة ، ازدادت معها أزمة تدبير الموارد البشرية واستمر التلاعب بمصالح الموظفين وهضم لحقوقهم الإدارية والمهنية والمعنوية، عبر الارتشاء كمرض مزمن بالإدارة المركزية لوزارة الصحة، والتحايل على القانون في مجال التوظيف والترسيم والحركة الانتقالية ، والتعيين في مناصب المسؤولية، كما أضحى القطاع في ظل الإدارة الحالية مرتعا خصبا للزبناء والمقربين والوصوليين والانتهازيين، غابت معه المصلحة العامة للوطن وللمواطنين.

فإذا كانت التقارير والمؤشرات الدولية والوطنية تؤكد فشل السياسات الصحية فإن ذلك يعود بالأساس إلى أن تطوير وإصلاح منظومتنا الصحية لاتندرج بتاتا ضمن أولويات واهتمامات حكومتنا، فعوض التفكير الجدي في إدماج الصحة العمومية ضمن مقاربة شمولية، اختارت الإدارة الحالية اللجوء إلى أسلوب الشعارات ودغدغة الأحلام، ومناهج الترقيع والإجراءات الظرفية والمناسباتية بدل الوقوف على أسباب الأزمة الصحية والاختلالات والنواقص لمعالجتها وإشراك كل الفاعلين في بلورة استراتيجية وطنية مستمدة من ميثاق وطني للصحة .

ففي ظل هذه الأوضاع والشروط المتسمة بالتدني والتدهور وانعدام الوسائل والإمكانيات وتقادم التجهيزات الطبية، وضعف الموارد المالية والبشرية وفقر التخطيط الاستراتيجي، تواصل الشغيلة الصحية بمختلف فئاتها المهنية، من أطباء وممرضين ومهندسين وإداريين وتقنيين وأعوان في أداء رسالتها الانسانية النبيلة، تحت ضغط هذه العوامل، وفي غياب أدنى الحوافز المادية والمعنوية وفي غياب تحقيق مطالبها العادلة والمشروعة بما فيها تلك التي تمت المصادقة عليها من طرف الحكومة السابقة ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، التعويضات عن الحراسة والإلزامية والمسؤولية والتي صدرت بالجريدة الرسمية سنة 2007 ، وظل الحرمان والاستغلال هو عنوان الإدارة الحالية.

فأمام هذا الوضع المأزوم، فإن المكتب الوطني للمنظمة الديمقراطية للصحة إذ يعبر عن استيائه وقلقه البالغ إزاء استمرار تردي الأوضاع الحالية وتفاقم الاختلالات بقطاع الصحة، فإنه يطالب بضرورة فتح حوار جاد ومسؤول مع منظمتنا النقابية حول مختلف المشاكل القائمة والمطروحة بدل نهج سياسة الهروب إلى الأمام والآذان الصامة، ويقرر كجواب على هذا الوضع توجيه رسالة إنذارية إلى المسؤولين على القطاع وذلك من خلال الإعلان عن إضراب إنذاري لمدة 48 ساعة يومي الأربعاء والخميس 17 و 18 شتنبر 2008 بمختلف المندوبيات الصحية والمستشفيات العمومية والمصالح الإدارية والتقنية باستثناء المستعجلات ووحدات الإنعاش من أجل تحقيق المطالب التالية:

1- اعتبار الحق في الصحة مكون جوهري من مكونات الحق في الحياة وبالتالي من مسؤولية الدولة ضمان هذا الحق وتوفير الرعاية الصحية الكاملة لجميع المواطنين مجانا وبدون تمييز.
2- تحسين ظروف العمل المهنية لجميع العاملين بقطاع الصحة وتوفير المستلزمات الطبية واللوجستيكية والأدوية اللازمة لعلاج المواطنين.
3- اتخاذ تدابير استعجالية لتنفيذ القرارات الحكومية السابقة المتعلقة أساسا بصرف التعويض عن الحراسة والإلزامية والمسؤولية والساعات الإضافية منذ صدور المرسوم، واحتساب تعويضات الأخطار المهنية ضمن راتب التقاعد والمعالجة الجدية لملف خريجي مدرسة الأطر الصحية.
4- الرفع من أجور العاملين بقطاع الصحة بما يتناسب وغلاء المعيشة والرفع من الحد الأدنى للأجر إلى 3000 درهم مع حدف السلالسم الدنيا من 1 إلى 4 ورفع سقف الإعفاء الضريبي إلى 36000 درهم.
5- إعمال ترقية استنائية لسنوات 2003، 2004 ، 2005 ، 2006، 2007، 2008 كإجراء استعجالي لفك الحصار على العديد من العاملين الصحيين.
6- الرفع من نسبة الترقي بالأقدمية إلى 33 % كحد أدنى وتنظيم امتحانات ومباريات مهنية سنوية للترقي لفائدة كل الفئات المستوفية لشرط أربع سنوات من الأقدمية في الدرجة أو الإطار،
7- توحيد الأنظمة الأساسية للأعوان العموميين وأعوان الخدمة وإدماج وترسيم المياومين والعرضيين وعمال وعاملات الإنعاش الوطني.
8- مطابقة وملاءمة النظام الأساسي للأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان بالنظام الأساسي للأساتذة التعليم العالي وخلق نظام أساسي للدكاترة العلميين مطابق بدوره للنظام الأساسي للأساتذة التعليم العالي ومراجعة الأرقام الاستدلالية ونظام التعويضات،
9- مراجعة النظام الأساسي للممرضين والممرضات والتقنيين بمختلف تخصصاتهم ونظام الترقي المهني ونظام التعويضات وخلق درجة خارج الإطار بالنسبة لهذه الفئات المهنية وإقرار تعويض خاص عن العمل بالعالم القروي والمناطق النائية.
10- توظيف الممرضين والأطباء العاطلين،
11- توحيد النظام الأساسي الخاص بالمراكز الاستشفائية الجامعية ومعهد باستور، بكل من الرباط والبيضاء ومراكش وفاس، مع المراجعة الدورية لنظام التعويضات والحوافز المادية،
12- إخراج القانون الأساسي المنظم لمزاولة مهنة التمريض والقابلات والمهن الطبية الموازية وخلق هيئة وطنية لهم،
13- تقنين ومنع إجراء التجارب الطبية والعلمية على المرضى دون الموافقة المسبقة منهم، وفهم نوعية التجارب التي سيخضعون لها وآثارها المحتملة تحت طائلة المتابعة والمسؤولية القانونية.
14- إحترام مبادئ الديمقراطية والشفافية والمساءلة في تدبير المصالح الصحية واحترام معايير التعيين في مناصب المسؤولية تحددها لجنة محايدة وتسهر على تطبيقها.
15- ضمان وتوفير الشروط والظروف الإنسانية للعمل بالمستشفيات العمومية وبخاصة مستشفيات الأمراض العقلية التي أصبحت بمثابة سجون للإستشفاء، وتطبيق الاتفاقيات الدولية بشأن السلامة الصحية والمهنية وبيئة العمل بالمستشفيات والوحدات الصحية.
16- الإسراع بتنظيم انتخابات ديمقراطية لمأسسة الأعمال الاجتماعية لموظفي وزارة الصحة بدل البحث عن طرق تعيين الزبناء والمقربين وسماسرة العمل النقابي.

وبناء عليه فإن المكتب الوطني للمنظمة الديمقراطية للصحة:

• يدعو كافة أفراد الأسرة الصحية من: أطباء وممرضين ومهندسين وتقنيين وإداريين وأعوان إلى التعبئة الشاملة والمشاركة المكثفة الواعية والمسؤولة في الإضراب الوطني الإنذاري لمدة 48 ساعة يومي الأربعاء والخميس17 و18 شتنبر 2008، بمختلف المندوبيات والوحدات الصحية الوقائية والمستشفيات باستثناء المستعجلات ووحدات الإنعاش، كما يود تقديم الاعتدار للمواطنين لعدم تلبية حاجياتهم أثناء مدة الإضراب ويدعوهم إلى تفهم غايات إحتجاجاتنا ولجوئنا إلى سلاح الإضراب كوسيلة مشروعة للدفاع عن حقوقنا وكرامتنا وللدفاع عن حقوق الشعب المغربي في الصحة وولوج العلاج.

• يقرر دعوة المجلس الوطني للمنظمة الديمقراطية للصحةOdt لعقد إجتماع إستثنائي يوم السبت 1 نونبر 2008 بالرباط.

حرر بالرباط في 30 غشت 2008
عن المكتب الوطني

العُروبَة.. دَعْوَة شَعْبِ المَنطِقة إلى تكوين الدَولة السياسية لِمواجَهة العَدَمِية والإلغاء؟؟



سليم نقولا محسن

من مُجمل التحديات التي تعترض مسار تقدم شعب الوطن العربي، ليست تلك التي يواجهها فقط من العالم الخارجي الطامع والأكثر تطورا، وإنما أيضا استجابة جل مجتمعاته أمام الإبهار إلى الانخراط في لعبة التقليد والانقياد لها، التي ليست من صالح شعبه على الإطلاق، إذ لم تفقد الشعب الارتكازات المجتمعية لتكوين الدولة وأنظمة الحكم وحسب، وإنما باتت الفوضى الدولتية من سماته في عصر المجتمعات المنظمة الحديثة، وربما كان هذا ما تسعى إليه وتتطلبه مصالح الاتجاهات الرأسمالية العالمية، عبر ما يلحظ من إصرارها على تفتيت المنطقة بالوسائل المتبعة من احتلالات إلى حروب دائمة واقتتال وفتن، لإلحاقها وإبقائها كأسواق مستهلكة، إنما هذا يتنافى مع مصالح شعبها العربي التي تنحدر مجتمعاته رغم ثراء مواردها إلى مزيد من الفقر، الذي سيؤدي بدوره إلى العدمية المجتمعية والسياسية ومن ثم الإلغاء، ولما كان البعض ممن يجهلون بواطن الأمور، قد خرجوا بنتائج محبطة اعتمادا على الظواهر، وألقوا بتبعات ما هو صائر إلى عقم الشعب وعجزه، وارتاحوا من عبء واجباتهم وأحمالهم، ولم يزالوا بعقل تخريفي يزاولون لعبة المعميات التثاقفية واستنساخ تجارب الآخرين وبهرجاتهم، قد أصبح من الأفضل لهم أن يعلموا بأن الموضوع خطير وجديته لم تعد تحتمل المماحكات والمناورات والحرتقات الصبيانية، التي يضع البعض برامجها مع الغير لإدراجها كموضوعات إلهاء لتطبيع أصحاب الثقافات المهزوزة وتوابعهم وجرهم إلى محاكاتها، فإن ما هو مطروح دعوة منفتحة لكل المتنورين والمثقفين الثوريين وأصحاب الرأي من الطبقات المنتجة إلى البحث للخروج من هذا المهوار إلى سبل تكوين الدولة السياسية القادرة.

فرغم وطأ الحملات، الفكرية والعملانية، ضد مفاهيم العروبة المتشكلة طبيعيا لدى إنسان المنطقة عبر الأزمنة التاريخية، فمن المؤكد بأن العروبة لم تزل مطروحة بقوة على الساحة العربية في مواجهة التصاعد المضاد المفتعل، الذي يستهدف المنطقة خدمة لتصاعد حاجات استثمارات الرأس المال الغربي عقب المتغيرات النوعية، التي طرأت على بنيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولم تستطع كل الهلوَسات الطامحة بأشكالها الصدامية المتعددة القادمة مع تقليعات الغرب الأوروبي المبهرة، أن تشكل أساسا لتقويضها، ويبدو أنها لن تتمكن منها.

لذا استدعى ذلك إعلان حرب عالمية غير مسبوقة في العصر الحديث ضد العروبة، استخدمت فيها أنواع الأسلحة، وقد شاهدنا ممارساتها وشعوب العالم ضمن فترة لم تتجاوز العقد والنصف من السنين عندما استهدفت منطقة استضعفت ابتداء من عام ال 91 والمقصود الحرب ضد دولة العراق وما تلاها من حرب تجويع وحصار إلى الحرب الغازية باحتلال كل أرض العراق عام 2003 وإلى إشاعة الفوضى فيه والخراب، إلى جانب افتعال حروب جانبية متعددة على مساحة امتدت من الصين إلى المغرب العربي نزولا إلى السودان وأرض الصومال، ولم تزل تداعيات مفاعيلها تتوسع مع الجديد من الأيام.

فالمتحولات الطارئة على البنى المجتمعية العربية كنتيجة لمغلوطات في تركيب الدول القطرية بالإضافة إلى سوء استخدام الإدارات في هذه الدول المركبة اتجاه مجتمعاتها، منها بعض ممارسات الحواشي السلطوية، والاتجاهات المحلية التابعة والخادمة عبر الأطر الإقليمية للسياسات العالمية وما تفرضه من أحكام قامعة جائرة مغايرة لتوجهات الشعب العربي وأنماطه الطبيعية المعاشة وطموحاته في النهوض، قد أنتجت طابعا مجتمعيا مشوها جرى استخدام حيثياته السلبية بدراية خبيثة لوصم الشعب العربي وتاريخه بها.

فالعروبة ليست هي نتائج هذه الممارسات وإن تقصد تعميم هذه النتائج السلبية وكل ما أحدثته من متغيرات على ظاهرة العروبة، إذ أن العروبة في جوهرها تختلف، فالعروبة ليست هذا الكم من التخلف والضياع، العروبة كانت دائما هي الإنسان العامل والوعي المتحرك لهذا الإنسان لمآل جهده وتراكمه على الأرض العربية، العروبة هي مفهوم لنتاج الشعب المنتج المستقر: الذي كان يدفع دائما عبر مسيرته الحياتية الطبيعية باتجاه إقامة المجتمع المنظم العادل الموحد لمزيد من الأمان والتقدم.

وعلى ما يلاحظ فلقد ارتبطت فكرة العروبة في العصر الحديث ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر للعهد العثماني إلى زمن الاستقلال عنه، المتوافق مع انتهاء الحرب الأولى ووعود الدول الأوروبية للشريف حسين بإقامة الدولة العربية الواحدة، بفكرة الدولة العصرية على غرار الدول الأوروبية شكلا ومضمونا، بغية إقامة المجتمع الأفضل، مجتمع الحريات والسلم والتقدم، ومع القبول بالأمر الواقع – الناتج عن معاهدة - سايكس بيكو- وبزوغ الدول القطرية العربية بقرارات دولية وفقا لمصالح الدول الأوروبية في تقاسم النفوذ فيما بينها، فإن الشعوب العربية في تلك الأقطار قد اعتبرت دائما أن هذه الدول الناشئة، إنما تشكل خطوة مرحلية لاستعادة وحدة المنطقة.

وبالرغم من ارتباط مصالح بعض الشرائح المحلية المتكونة آنذاك بالعجلة الاقتصادية الأوروبية (ككمبرادور) بصفة جامعي أموال الشعوب لصالح الغرب، أي مع بقاء الأطر القطرية، فإن التوجهات الغالبة لشعوب تلك الأقطار كمكونة ومنشئة طبيعية لنظام الدولة، فكانت تدفع باتجاه تجاوز الحدود القطرية إلى وحدة المنطقة كضامن دون وقوع الدولة القطرية كليا بقبضة الشرائح المرتبطة، ومن ثم إلى إقامة دولة عربية قادرة، لذا كانت غالبا ما ترتبط شرعية وجود الحكومات وشعبيتها بمدى ارتباطها بفكرة العروبة الطموحة إلى إقامة الدولة العربية الواحدة، بغض النظر عن التسويات السياسية التكتيكية وأصوات الاقتراع، وقد تجلى ذلك بمدى شعبية تلك الأحزاب والحركات الآخذة بالطابع الوحدوي العروبي، وأيضا بقيادة ثورات المنطقة التحريرية، ومنها شعبية قيادة عبد الناصر التاريخية، تلك القيادة التي ربطت فكرة الثورة والتحرر والتقدم والطمأنينة على المستقبل، بتحرر الشعوب العربية من الإستعمار والرجعية المحلية وبتجاوز الحدود الإقليمية وإقامة الوحدة العربية.

كما تجدر الملاحظة بأن حتى منذ ما قبل دول الاستقلال، قد عمد دائما على خلخلة أسس المجتمع المنتج المستقر في الأرياف والمدن عبر التدخلات الأجنبية من دول الجوار الكبرى في شئون الدولة العثمانية، وأن ما كان يوصف زمنها بالإصلاحات الدستورية باستنساخ النموذج الأوروبي، مشكوك، في غاياته، وليس في حقيقته سوى تطويع وتطبيع لإدارات الدولة آنذاك لإجراءات التحاقية بالدول الأوروبية، إذ أن هذا المجتمع المنتج على بدائيته، كان بطبيعته يدفع باتجاه تعزيز الأعراف والتقاليد والشرائع وإلى إنتاج وحدة مجتمعية منتجة للمؤسسات الدولتية المكوّنة للدولة، وهذا يتناقض مع الغايات الهادفة المرسومة إلى إنتاج مجتمع مركب مخلخل بديل ومفهوم إداري للدولة يسهل فيه التعامل مع المتسلطين عليه، ويرتبط بشكل متساير مع عواصم الدول الكبرى ومراميها، وذلك عبر إجراءات سياسية إدارية لها مفاعيل اقتصادية من خلال سيطرة السلطة الأجنبية أو عملائها على المجتمع، فتعمد هذه إلى تشكيل عشوائي لقوى اقتصادية جديدة على أنقاض القديمة الأصيلة عبر توزيع ثروة الدولة بين هذه القوى، التي يغلب على أجوائها طابع المحاباة والسمسرة والعمالة، والتي تتناقض في تكوينها ومفهومها للقيم مع تلك القيم المجتمعية المرتبطة بالعمل تلك التي درج عليها المجتمع في كنف القوى المجتمعية التقليدية المنتجة وسيادتها،

ولم تشذ عن ذلك سلط دول الاستقلال الوريثة، بعد أن أصبح ثراة العهد السابق ورجالاته الحكام الجدد ضمن المظاهر الاحتفائية المعلنة باستقلال الوطن، إضافة إلى اختراق عوامل جديدة المجتمع الجديد، إذ أصبحت أموال البترو دولار السياسي وأموال لصوص الآثار والتهريب والقوادين وأولاد العاهرات وخريجي البعثات الخيرية وعصابات الإجرام والمال العائد من نهب الدولة، السادة الجدد، وأضحت مظاهر خرق قوانين وأعراف المجتمع المعلنة أو المستترة والانفلات العام المُقونن عنوان المرحلة، تلك المرحلة؛ التي تتطلب قيَمها الجديدة وسادتها الجدد، والتي كان يؤدلج مبررات مشروعيتها بعض الأحيان مع الأسف عدد من السياسيين ودعاة الفكر من رجال دين وعلمانيين، والتي كانت تصب مجمل نتائج ممارساتها إلى نهب المجتمع، لذا كان من الطبيعي، أن تلتحق قاعدة البنية الإنتاجية كغالبية متضررة في المجتمع الواقعة تحت سطوة التراكم الاستغلالي المفرط، ووسط صدمة الاندهاش إلى ما آلت إليه الأمور في دول الوطن الجديدة إلى مناصرة الأحزاب والتجمعات الوطنية العربية كباب لإنتاج دولة حقيقية جديدة، استطاعت فيما بعد أن تتسلم السلطات فيها قادة هذه التيارات وأحزابها.

فمن البديهيات المعروفة في السياسيات أن الدولة لا وجود لها بالتكون الطبيعي دون وجود مجتمع منتج ينتج مفهوم المواطنة، حيث يشارك مجموع الشعب العامل بإقامة الدولة ومنظومتها والسلطة فيها، ومع أن القاعد الشعبية العاملة في المجتمع العربي قد ناصرت قيام الدولة الوطنية كأمر واقع وصبرت على بنائها وتعزيز وجودها، فإن هذه الدولة المحدثة على اختلاف نظمها، حيث رأسمال الدولة على تعدد مصادر جباياته واختلافها، أكانت ثروات وطنية أو عائدات ضريبية أو ما شابه، كان يلعب دورا أساسيا في بناء المرافق الضرورية لتنظيم التكوينات الإنتاجية وانطلاقها في أوضاع ضعف أو غياب الرأسمال الفردي أو المؤسساتي– طرق، قطارات، كهرباء، مشاريع مياه، معامل عملاقة ضرورية الخ، فقد لعب دورا أيضا في إعادة توزيع الثروة، إذ أن هذه الدولة ورأسمالها الموظف قد أحدث تضخما في أجهزة المؤسسات الدولتية الوظيفية ومداها السلطوي كممثلة للجهاز الحاكم القوي وليس لطبقة المنتجين الهشة، مما أدى ذلك إلى إحداث متغيرات في البنية المجتمعية، أنتجت مجتمعا فقد ارتباطه بالإنتاج وتبعا بضرورة الدولة الوطنية ومجتمع المواطنة، تعزز مع تخلخل بنية الدولة وعجزها أمام الضغوط الدولية عن تلبية الحاجات الضرورية لسكانها أو الدفاع عن أمنهم، هذا المجتمع الذي كان من المفترض طبيعيا أن يساهم في بنائه وتطوره الفرد المنتج عبر مشاركته السياسية لإدارة دولة الوطن والدفاع عنها، مما أدى إلى تحول هذا الفرد فيه باتجاه اختراق تخريبي لمنظومة المؤسسات الدولتية وركائزها وقوانينها بما فيها وحدة دولة الوطن باتجاه الفوضى.

وهكذا بينما أنتج المجتمع العربي في حالته التقليدية المعتبرة بدائية مجتمع الدولة الوطنية ومجتمع المواطنة، أنتجت الدولة القطرية آليا بالمقابل، عندما انتهجت شكل الدولة العصرية بالمداخلات الغربية، المجتمع المضاد، مما أدى هذا إلى خلخلخلة مفهوم المواطنة، ذاك بعد أن فقد الفرد في الدولة الجديدة قيمته كمنتج ينتمي إلى عمله و أهمية دور هذا العمل في بناء دولة المواطنة حيث الكل فيها سواسية حسب الأعراف والقوانين، فانتماء الفرد في هذه الحالة لم يتحول إلى ذاتيته، تلك السائدة في الحياة ما فبل المجتمعية، بل إلى الشرائح المجتمعية المثيلة المبتلية، أكانت عصبوية مافيات وتجمعات لصوص أو تجمعات عشائر وطوائف لمواجهة الشرائح المضادة حيث تسود عقلية الغزو البدائية (التكفيرية) في تحليل ما يمتلكه الآخر ونهبه، التي طبعت المجتمع بطابعها.

وبينما نجد أن شرعية الدولة الطبيعية ومصداقيتها تتحدد بتحمل مسئوليتها ومدى حرصها على تنفيذ واجباتها في الحفاظ على حقوق الفرد وأمنه وضمان تقدمه بصفته مواطن في وطن اختاره، ويتطلع المواطن بدوره إلى الدولة بصفتها مؤسسات المنظومة الدولتية الوطنية التي وافق عليها واختار القائمين عليها كراعية لشئونه وحامية للعدل، حيث الكل سواسية فيها أمام العرف والقانون دون تمييز على أساس العرق واللغة والإنتماء، وتبعا لا وجود فيها لمنطق الأقليات والأكثريات، نرى بالمقابل في هذه الدول القطرية انكماشا لهذا المفهوم وبروزا متصاعدا لحساسية الأقليات وحقوفها وما شابه، بات يشكل حالة مطلبية في مواجهة الدولة، مما يؤكد هذا وجود خلل في بنية المجتمع كان لا بد أن ينعكس سلبا على الدولة وسلطتها، وإلى تحولها تبعا من دولة المواطنين إلى دولة السلطة ترى جوهر وجودها في إقامة التوازن بين عصبيات نافذة لا علاقة لها بنشوء الدولة، وسيطرة عقلية الرضوخ لاسترضاء بعض الجماعات على حساب الأخرى دون العودة إلى المبدئية والشرعية المبررة لوجود الدولة: كأساس للعدل المجتمعي.

وعبر استخدام المجزوء المجتمعي المتحول بمضمونه السلبي المرتبط بظرف الزمان والمكان بما يخص مآل ممارسات الدولة القطرية بغض النظر عن شكل نظامها الجديد، عمد إلى تعميم نتائج المتحول السلبية على الكل العروبي وإلى تخصيصها بالأنظمة ذات التوجه القومي، ومن ثم إلى اعتبار مظاهر المتحول السلبية هذه صفة المجتمع العربي الأساسية، اتخذتها الدعوات المناهضة قاعدة ترتكز عليها للتعرض للفكرة القومية العروبية، هذه الدعوات التي تدرجت في عدائها إلى هجوم شرس حتى التوحش، الذي عبر عنه وأعلنه الغازي الأمريكي ومن التحق به من محليين بتفاخر في نيسان 2003 عند احتلال بغداد وتدمير العراق.

وكانت هذه الهجمة المضادة تستهدف منذ البداية وعبر برامجها المرحلية بما احتوت من حيثيات، تفريغ العروبة من مقوماتها باستخدام السلبيات الظاهرة وتضخيمها لتعميمها وإلى تشويه سمعة الأحزاب والجمعيات والمنظمات والشخصيات السياسية والفكرية الداعية إلى العروبة، ابتداء من الرئيس عبد الناصر وتجربته وانتهاء بالرئيس الشهيد صدام حسين المجيد، وذلك لإحلال تصورات وأفكار بديلة: منها استيلاد الاستقلال الذاتي للمتنوعات السكانية المنضوية في منظومة العروبة انتهاء بالعصبيات العرقية و المذهبية والطائفية والثقاقية، وغالبا ما كان يتم اللجوء لتعزيز هذه التوجهات الفتنوية بتحويل المسمى العروبي إلى مسميات أخرى أو إلصاقه بما ليس فيه، ليأخذ شكل الطائفية والعشائرية والعرقية، كما في إلباس العروبة للسنة أو الشيعة أو لنقاء عرقي يستقدم من التاريخ البعيد أو إلى الأقليات المذهبية حسب ما يقتضي الحال، علما أن العروبة في واقع الحال هي التعبير عن الاحتواء التاريخي لعملية التعارف الإيجابي بين تنوع المكونات السكانية وما نتج عنها بالضرورة من عرف معمول به كاتفاق غير مكتوب ولكنه معلن للعيش المشترك على الأرض الواحدة، ضمن منظومة العلاقات الإنسانية المتجددة والمبقية بالآن على خصائص هذا التنوع، من أجل الأمن واستمرار العمل المنتج والرفاه والتقدم، بما كان يصاحب هذا على مر العصور من توفير مناخات الإبداع التي تميزت بها هذه المنطقة بإنتاجها للحضارات المتعاقبة.

فمن ضمن المعطيات الجيوسياسية للمنطقة إضافة إلى عوامل متميزة طبيعية حاضنة، كانت تفترض عبر المراحل التاريخية المتعاقبة وصولا إلى نهاية الدور العثماني، وجود دولة واحدة تحتضن شعبا يتصف بخصائص واحدة أو متقاربة، على ما في هذه المقولة من شوائب أملتها انقطاعات أوجدتها مداخلات ومصالح القوى الدولية المحيطة وظروف تبدل موازين القوى في المنطقة، وفي المنعطف التاريخي الذي صاحب انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، كانت الحركة العربية وما سمي بالثورة العربية الكبرى كفعل عسكري لها، ليست في حقيقتها سوى امتداد لتطلعات شعب المنطقة على إبقاء وحدة المنطقة العربية.

إلا أن الظروف الدولية الضاغطة وتقاسم النفوذ بين الدول العظمى على أراضي الدولة المنهارة، كما هو معروف، قد اقتضى تشكيل ورسم دول قطرية وإدارات وفق مصالح كل دولة بحدود المناطق المتقاسمة المستقرة في نفوذها بعيدا عن إرادة شعب المنطقة وتطلعاته، وافقت وصادقت على قراراتها آنذاك منظمة عصبة الأمم الدولية،

مما كان يتوجب على الوطنيين العروبيين وفق تطلعاتهم مهام إعادة الدولة الواحدة على الأرض الواحدة، أقلها على ما بات يسمى الوطن العربي، وإزاحة الحدود المرسومة للدول المصطنعة، تلك الطموحات التي تزعم حركتها التحريريون القوميون العرب، لذا كانت مهام القوميين العرب في تلك المرحلة تنصب في الاتجاهات التالية: 1- تحرير الأرض والشعب، 2- إقامة الدولة التحريرية النموذج والأساس، 3- الوحدة العربية، وقد اعتبر استلام سلطة الدولة القطرية من قبل القوميين أن الدولة محررة، وأن من مهامهم فيها إنشاء دولة قوية (نموذج) على غرار دور الدولة البروسية في توحيد ألمانيا، تعمل على دعم حركات التحرر العربية في الأقطار العربية من أجل انضمامات محتملة للمحرر من الأقطار، لإقامة دولة الوحدة العربية الكبرى، إذن كانت المهام الأساسية بالنسبة للعروبيين هو التحرير بما يتضمن هذا التحرير من حيثيات لتجاوز التخلف وبناء الدولة القوية اقتصاديا وسياسيا بغض النظر عن السلبيات والإيجابيات، مما أغفل عنهم أصول نشوء الدول الطبيعية وأنظمة الحكم، وأن الدول بسلطاتها لا تنشأ من فوق.

لذا وجد هؤلاء أنفسهم في خضم معايشتهم لشئون السلطة الدولتية في الدولة المحررة لتطبيق برامجهم التغييرية في مواجهة الواقع المتخلف، مثال: الجمهورية العربية المتحدة، الجزائر، العراق، سوريا، أن كل ممارساتهم السلطوية خاضعة لشرطين، 1- شرط نشوء الدولة القطرية بقرار دولي صادر عن المنظمة الدولية وخاضعة بالتالي بما يصدر عنها من أعمال للدول صاحبة النفوذ، 2- انتفاء وجود الدولة الطبيعية المؤسسة على أراضيها، كشرط لإقامة الدولة العصرية، وان ما سبق لها لم يكن دولة، وإنما هي منطقة تابعة للدولة الملية العثمانية أو ما يشابهها ومشروطة الممارسات السلطوية والرعوية فيها بطبيعة نظام الحكم السلطاني وأحكامه، بما يترتب على ذلك وما يقتضيه الحال بالضرورة إبقاء هذه الممارسات السلطانية في الدولة المحدثة (الدولة القطر) لرعاية مصالح أبناء العائلات والعشائر والأعراق والمذاهب والطوائف، مما قاد هذا إلى مفارقة جذرية بين ما تقتضيه أحكام التغيير للدولة الناشئة في الدول العربية المحررة وغيرها من الدول، كسلطات تسعى إلى تطبيق النموذج الأوروبي الذي صنعته الرأسمالية على أنواعها في دولها عبر قرون وقوضت بموجبه دولها القديمة عبر دورات دموية، وما يقتضيه واقع الحال كمناطق متخلفة مختلفة، لم تزل تعيش فيها الحالة السلطانية.

لذا فإن البحث في المسائل الدولتية وأنظمة الحكم، يحتاج إلى الكثير من الدراية، ولا يكفي الأخذ بالشعارات والنماذج ونقل قطعها الأدبية أو الحكمية عن سياقها لتطبيقها هنا وهناك، كما لا يكفي تجميل الكلام والتمترس خلف شعار الفضيلة لاتهام الشرفاء بالرذيلة أو أي كان، فأين هو الحامل الديمقراطي لكي يتم الإدعاء، ما هو سند الإدعاء ومن هو المدعي على هذا النظام العربي أو ذاك وعلى الحاكمين بموجبه بأنهم ديمقراطيون أو ديكتاتوريون، إن هؤلاء السلطويين بأفضل أحوالهم وبحكم الظروف الموضوعية التي أنبتتهم، هم حكام سلاطين بمعنى الموروث السلطاني للمنطقة والمفهوم السياسي له، فإما أن يكونوا عادلين أو سلاطين جائرين، ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن الاستبداد بمعنى التفرد إنما يخضع لمنظومة فكرية تتبع السلطانية لا تجيز للرعايا أو من هم خارج المسئولية إبداء الرأي بالأمور العامة منعا للفوضى، إلا أن هذا لا يرتبط بالجور كما يشاع، أما الديكتاتوريات والفاشيات التي راجت مفرداتها، فيعود مفهومها في العصر الحديث إلى منظومات فكرية نشأت في أوروبا ما بعد الحرب الأولى، دفعت إليها بورجوازياتها الوطنية لحماية الرأسمال الوطني من الفوضى ومن حصار الغير ومن أجل البقاء على وحدة الوطن.

وعلى ما تقدم فليس من الصواب إذن النقل من منظومات فكرية كونتها مجتمعات الغير وفق ظروفها وشروطها لتطبيقها في مجتمعات مغايرة، إذ أنه ضرب من العبثية والمماحكة السياسية لا يمكن أن ينتج سوى مجتمعات العدمية السياسية والتخريب والفوضى، كما لا يمكن تبنّي مقولاتها بحرفيتها لاستخدامها في اتهام الآخرين، إذ لا يمكن الحكم من موقع مخالف على الآخر أو من فراغ،

ولقد اشتطت بعض الإدعاءات الثورجية التي انقلب أصحابها لاحقا إلى الليبرجية في هذا المنحى وإلى غرف ما يحلو لهم من عبارات وادعاءات خارجة عن سياقها لوضعها بتلفيقية مفضوحة أو غباء في مواجهة تجارب حية لإثبات بطلانها، إذ جرى أحيانا على الهوى رفض تجارب عربية رائدة كانت ظاهرة(عبد الناصر)مثلا: دون بذل أي مجهود عملاني لتحليل تكوينها وبنيتها وأسباب الخلل فيها، وعوضا عن ذلك تمت استعارة مقولات رائجة وتركيب صياغات نظرية كمقترحات عملية لممارسات سياسية مستقبلية بديلة لا علاقة لها بأرض الواقع كالديمقراطية والحياة الحزبية المنظمة، والحركات الشعبية إلخ.. فإن تم تبنّي مثلا مقولة؛ لم نختبر حقيقة صحتها، بأن الدولة (القاعدة) ليست الأساس في موضوع الحركة القومية العربية، ولكن ما مصير انتصار حركة التحرر العربية في قطر أو إقليم ما، هل يتم رفضها ومنع التحريريون من تسلم السلطة بها استنادا إلى فشل بعض التجارب والتمسك بالمقولات، هل نرفض ظهور قائد أو زعيم ثبتت حكمته وثبت إخلاصه لدى شعبه ونجاح مشروعه، بدعوى التمسك بالقيادة الجماعية وبحكم كل الجماهير، كيف؟؟ ،

لم تجر دراسات معمقة مغايرة، إذ أن كل ما حدث وخاصة من قبل المعارضات المهلوسة بالديمقراطية، لم يتعدَ الصياح بالديمقراطية، وتحويل المقبول إلى مضاد وقذف الشتائم ضد الديكتاتوريات والإستبداد والإرهاب، ربما كان ذلك تغطية لعجزهم وتبريرا لمنزلقاتهم المتراكمة أو دفاعا عن مواقفهم المغلوطة الحاصلة كنتيجة لوضعهم الهامشي بين شعوبهم أو خوفا من ردود أفعال شعوبهم على دعاويهم الخيانية بتدمير أوطانهم بما يترتب عنه من إبادة وتشريد للأهالي عبر الإستقواء بالأجنبي بحجة إسقاط السلطات، لم تجر أبحاث معمقة خارج مؤثرات العقل الغربي وإيحاءاته، حول طبيعة شعوب المنطقة: طبيعة علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية ومآلاتها السياسية، لكن الغريب في الأمر، إن من يدّعون العلم والفكر والنخبوية والتغيير، لم يزالوا على السطحية السلطانية، ليس فقط في قطع رأس سلطان قديم من أجل جديد، فهم لم يزالوا يحاسبون أخطاء الموتى من القادة، دون التجرؤ على دراسة القاعدة (الشعب) التي تنتج القادة والسلطات والدول، السؤال إذن هو كيف إذن سيمثلون الشعوب؟

وعليه فإن الشعب العربي اليوم صار إما في حالة الدفاع والحفاظ على ما تبقى من أرض الوطن، وإما في حالة الاحتلال، أما النخبة والمثقفون الثوريون فيجهدون بالمقاومة من أجل التحرير، وأمام هذا الاستهداف العالمي ووضع الفوضى المحلي: أضحت بلادنا على وساعة أرجائها إما مخيمات للإقامة المؤقتة لشعبها من أجل تهجير آخر، أو أماكن لجوء جديدة لهم، وفي هذا الوضع لا يمكن أن تبنى دول حقيقية أو أن تستمر.

ماذا يفعل الشعب والطليعيون منهم المؤمنون بحركة القومية العربية؟ يمكن للمحايد أن يستشف؛ بأن لهم تصوراتهم الجنينية، لكنها مبدئية وصحيحة، لإقامة الدولة المحررة ودولة الوحدة، تبدأ من بديهيات تحرير الوطن والشعب عبر الرفض وإشعال المقاومة المسلحة في كل مكان ضد الظلم والاحتلال لإنشاء مجتمع منتج مستقر، لكن حتى ذلك الوقت لا بد أن تنصب كل الجهود من أجل الارتقاء بأنواع المقاومات وابتكار الأساليب الجديدة التي تتناسب وشراسة العدو في هذه المرحلة، دون نسيان تكريم شهداء الشعب والوطن واستلهام روحهم الكفاحية المناهضة للظلم والإستعباد وثباتهم في مواقفهم الحكيمة؛ من عبد الناصر، وصدام حسين المجيد، إلى عمر المختار.

سليم نقولا محسن

إيلول- 2008

2008/09/03

اقتصاد السوق إلى المؤسسات: رحلة في عالم الأفكار د.محمد عبد الشفيع عيسى

اقتصاد السوق إلى المؤسسات: رحلة في عالم الأفكار د.محمد عبد الشفيع عيسى

نقلا عن موقع المسيرة


يتداول الاقتصاديون تلك الإشارة الشهيرة التي أطلقها مؤسس علم الاقتصاد الحديث- آدم سميث - في كتابه(بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم) الصادر عام 1776، أي: اليد الخفية؛ بمعنى أن الحياة الاقتصادية تتوازن تلقائيا بفعل التعادل بين جانبي العرض والطلب؛ وأنه إذا حدث اختلال في العلاقة بين الجانبين فسرعان ما يتم تصحيحه بدون تدخل من الدولة أو أية قوة اجتماعية منظمة، وذلك بفعل آلية غير مرئية أو محسوسة أطلق عليها تعبير (اليد الخفية)، كما قلنا.
ولم يكن هذا جوهر الإضافة التأسيسية الحقيقية لآدم سميث في تكوين علم الاقتصاد، كما سنرى. فهو أبو (علم الاقتصاد الكلاسيكي)- كما يطلق عليه- والذي جاء بعد مدرستين فكريتين على المدى الزمني الفاصل بين العصور الوسطى والعصور الحديثة، وهما مدرسة التجاريين، ومدرسة الطبيعيين أو الفيزيوكرات. وكان التجاريون ينظِّرون في الحقيقة للممارسة الفعلية التي قامت بها وعليها إمبراطوريتا البرتغال وأسبانيا، خاصة أسبانيا، بعد ما سمي بحرب الاسترداد، وسقوط الأندلس. وكان أساس هذه الممارسة- خلال القرن السابع عشر وشطر من القرن الثامن عشر- بناء جيش إمبراطوري قوي، يعمل في خدمة الدولة، على طريق الكشوف الجغرافية واستعمار عوالم جديدة في كل من (الأمريكتين) وفي القارتين الآسيوية والإفريقية، بالإضافة إلى بناء منطقة التوسع الأساسية للدولة الأسبانية داخل القارة الأوربية نفسها. عكست المدرسة التجارية-أو المركنتيلية- في الفكر الاقتصادي احتياجات الدولة الإمبراطورية الجديدة، فبلورت فلسفة قوامها ضرورة تكوين فوائض اقتصادية للدولة، تنجم من الفائض التجاري مع العالم الخارجي، خاصة المستعمرات ومناطق النفوذ، وأن هذا الفائض يتأتى من زيادة الصادرات عن الواردات. و رأى التجاريون أن ذلك لا يمكن ضمان تحقيقه إلا من خلال سياسة قوية لجهاز الدولة، محورها ما يسمى بالمذهب الحمائي، أى فرض قيود على حرية التجارة الخارجية، يكون من شأنها حماية الاقتصاد المحلي واقتصاد المناطق المستعمرة، في وجه الاقتصادات الأجنبية. وتشير كتابات التاريخ الاقتصادي إلى أن هذه العملية تمت من خلال ( النظام الكولونيالي) أو " نظام المستعمرات"، والذي سارت عليه بريطانيا وفرنسا أيضا، من بعد أسبانيا. وقوام هذا النظام حماية أسواق المستعمرات الناشئة فى مطالع العصور الحديثة من منافسات الأطراف الأخرى، وتشييد أسوار عالية من حولها، تحتجزها من دون الدول القوية الأخرى، وهي دول أوربية جميعها.
بعد التجاريون جاء (الطبيعيون)- خاصة في فرنسا القرن الثامن عشر-ودعوا إلى بذل الاهتمام الأساسي، ليس للتجارة الخارجية، ولكن للزراعة والمراعي، أي للإنتاج النباتي والحيواني.
لكن تفجر الثورة الصناعية، انطلاقا من بريطانيا، وخاصة مع اختراع المحرك البخاري المحسّن لجيمس واط عام 1776، قلب كل الأمور رأسا على عقب. فقد أصبحت الصناعة- رويدا رويدا- هي قاعدة النظام الاقتصادي والاجتماعي الأوربي، بدلا من الزراعة والتجارة، وأصبح التقدم التكنولوجي وإقامة المصانع واستخدام العمل المأجور هي أسس النظام الرأسمالي الناشىء.
حينئذ جاء آدم سميث- الذي صدر كتابه العمدة في نفس السنة التي ظهر فيها محرك جيمس واط- ليعبر عن متطلبات النظام الاقتصادي والاجتماعي الجديد: الصناعة، المصنع، تراكم رأس المال، تأجير العمل، تقسيم العمل. ونضع تحت الكلمتين الأخيرتين( تقسيم العمل) ألف خط للتشديد. فتقسيم العمل، من وجهة نظر آدم سميث، هو تقسيم للعمل الاجتماعي، قوامه تفرغ القوى الحية للأمة أي رأس المال والعمل، لتطوير الصناعة من خلال بناء المصانع؛ ومن ثم توليد نوع من تقسيم( العمل الفني) داخل المصنع نفسه، عبر تقسيم العملية الإنتاجية الواحدة إلى سلسلة من العمليات التصنيعية يقوم على كل منها عمال متخصصون، مهما كانت هذه العملية ضئيلة الشأن في الظاهر، ضاربا لها مثلا بعملية تصنيع دبوس الإبرة.
كما أن العلاقة بين الأمم لابد أن تقوم- هي أيضا- على تقسيم العمل فيما بينها، وفقا لما تملكه كل منها من (مزايا مطلقة)، في إنتاج السلع المختلفة. وعلى أساس هذا التخصص تقوم التجارة الدولية، بعيدا عن تدخل الدولة لفرض أنماط من التبادل لدواعٍ سياسية أو عسكرية، كما كان يرى( التجاريون). فبدلا من التدخل التحكمي للدولة ينبغي كفالة الحرية للمنتجين لتصنيع ولتبادل ما يصنعونه عبر العالم. ومن هنا نادي آدم سميث بشعاره الأثير، مشيرا بإصبعه إلى جهاز الدولة، وقاصدا إلى التيسير على المنتج الصانع (خالق القيمة الاقتصادية للسلعة بناء على عنصرالعمل في رأيه)، شعار: دعه يعمل، دعه يمر. أي: فلتوفر الدولة إطار الحرية للمنتج من أجل أن يعمل، ثم من أجل أن يعبر الحدود، مارّا من دولة إلى أخرى يبادل منتجاته، دون قيود جمركية أو غيرها.
تلك كانت الفكرة النظرية الأساسية لآدم سميث: تقسيم العمل الاجتماعي داخل كل أمة، وتبادل منتجات الأمم وفق قاعدة التخصص والمزايا المطلقة، بحرية. من هنا جاء عنوان كتابه عن طبيعة وأسباب (ثروة الأمم).
وقد جرت مياه كثيرة في الأنهار بعد سميث ورفيقه دافيد ريكاردو. فبعد اقتصادهما الكلاسيكي للقرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن من القرن التاسع عشر، وبعد اكتمال بناء القواعد الإنتاجية في الدول الأوربية، واستقرار علاقاتها (الاستعمارية) مع إفريقيا وآسيا، وخاصة بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية- عام 1776 أيضا..!، ظهر فيما يبدو أن مرحلة( الإنتاج) قد استنفدت أغراضها، وأن عصر( التبادل)قد أطلّ: حينذاك ظهر المفكر الاقتصادي ألفرد مارشال، وتبعته كوكبة على دربه، شقت طريقا غير معبّدة، أطلق عليها المؤرخون الاقتصاديون مسمى (الكلاسيكية الجديدة) وأطلقوا عليهم " النيو كلاسيك"، والذين كان لهم بعد ذلك شأن كبير.
وقد انتقى الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد من بين أفكار آدم سميث فكرة واحدة ليس غير: الحرية الخاصة دون قيود، وكف تدخل الدولة، وأن الدولة( حارسة فقط) تتولى وظائف الأمن ومرفق القضاء. وحاولوا إثبات هذه الفرضية المجتزأة بترسانة من أدوات التحليل الرياضي لسلوك المنتج والمستهلك على المستوى الجزئى، أو (المايكرو)، كأساس نظري تبريري لحرية المشروعات الخاصة، في ظل المنافسة، لاسيما "المنافسة الكاملة". وقد أدى نهج اقتصاد السوق الحرة الخالصة خلال العقود الزمنية الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وما صاحبه من منافسات دولية ومن تصعيد لحمّى الصراعات العالمية، إلى نتائج كارثية، أوربيا وعالميا، مما أدى إلى ظهور مدرسة أخرى في الفكر الاقتصادي الرأسمالي، كما ذكرنا في مقام سابق، هي نظرية اللورد كينز القائمة على تدخل الدولة ، من أجل تصحيح الاختلالات التي لاتنجح المشروعات الخاصة وحدها في معالجتها، لاسيما البطالة ونقص التشغيل وكساد الأسواق.
عبر مرحلة زمنية ممتدة وخاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولأكثر من ربع قرن، تبارت المدرستان الفكريتان: الكينزية داعية إلى تدخل الدولة، و(النيوكلاسيكية) داعية إلى الحرية الخالصة من أي قيد. وتدعمت المدرسة الأخيرة بجماعة أخرى من الاقتصاديين يسمون (النقديون الجدد) في الستينات والسبعينات، بزعامة ميلتون فريدمان. وسرعان ما تحلق النيو كلاسيك والنقديون تحت لواء عريض، يقوده من الناحية السياسية والعقائدية (المحافظون الجدد)، ومن الناحية الاقتصادية( الليبراليون الجدد). وتربع الآخرون على عرش الفكر الاقتصادي وصنع السياسات الاقتصادية العالمية، وترتب على نصائحهم، خاصة بالنسبة لكثير من البلاد النامية، شرّ كثير. ونتج هذا الشر من عدم إدراك الفحوى الحقيقي للدعوة إلى اقتصاد السوق، الاقتصاد الحر من التدخل الحكومي بالذات.
والحقيقة أن البلاد النامية لا تتوفر بها عموما المقومات الحقيقية لاقتصاد السوق أصلا، و من ثم لا تتوفر الظروف الملائمة للأداء الصحيح لقوى العرض والطلب، ولتشغيل الجهاز السعري. بتعبير آخر، إن الأسواق في هذه البلاد (غير مكتملة) نسبيا، والأسعار مشوهة، ولا تعكس القيم الحقيقية لكل من المنتجات وعوامل الإنتاج- سواء بفعل القوى الاحتكارية الخاصة أو بفعل التدخلات غير الرشيدة لجهاز الدولة، بأدوات القوة الجبرية والتسعير الإداري، وبواسطة سياسة الدعم والإعانات.
لذلك أخذ بعض الاقتصاديين الكبار في الغرب نفسه يدركون أن من الواجب تصحيح (الانحرافات) و(أوجه الفشل والإخفاقات لقوى السوقMarket Failures )، وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بإقامة المؤسسات القادرة على التعامل بكفاءة مع المتطلبات السوقية. وسبق أن رأينا أن رجلا مثل جون وليامسون – من البنك الدولي- اكتشف التشويه المتعمد، أو غير المتعمد، الذي لحق بأفكاره وأفكاربعض زملائه في البنك الدولي والمعبّر عنها بما سُمِّي:إجماع أو توافق واشنطون. فقد فهمت دعوته إلى التحرير الاقتصادي، أو " اللبرلة" على أنها تحمل نوعا من العقيدة المتحجرة حول حرية الأسواق. ولذا دعا إلى إعطاء الأولوية في السياسات الاقتصادية للدول النامية إلى إقامة البنى المؤسسية الفعالة لاقتصاد السوق، كشرط لفاعلية ولكفاءة هذا الاقتصاد نفسه. وبالتوازي مع مثل هذه المحاولة تبلور تيار فكري كامل سمّي بالتيار المؤسسي (أو المؤسساتي) ،كما برز تيار آخر ينادى بالتحول من مجرد الدعوة الغامضة الخاصة باقتصاد السوق إلى (اقتصاد السوق الاجتماعي).
وكنا قدّرنا أن هذا المقال سيركز على البعد المؤسساتي لاقتصاد السوق، ولكن ها قد أخذتنا سياحة الأفكار بعيدا نسبيا، في سباحة ربما كانت ضرورية.
فلنذهب إذن دون إبطاء إلى البعد المؤسسي، من الجانب التطبيقي، في مقالنا القادم، إن شاء الله.