2008/07/16

عاليا مع النسور يا سمير

رشاد أبوشاور
16/07/2008
يا سمير: ستقرأ بعينيك جبال الجنوب الشامخة، وأنت في جوف طائرة هليوكوبتر لبنانيّة، ستنقلك من رأس الناقورة إلي مطار بيروت الدولي.
قبل ثلاثين سنة، عبرت البحر إلي الساحل الفلسطيني، البحر الفينيقي الكنعاني، الذي راده أسلافك قبل ألوف السنين، وجعلوه بحيرتهم، لا استبدادا، ولا تجبّرا، ولكن تجارة، وثقافة، وصداقةً، ومعرفةً .
أرسيت زورقك الذي حملك ورفاقك في مياه (نهاريا)، واقتحمت في الفجر أرضا عربية فلسطينيّة استباحها الغزاة، وفي الخطّة اختطاف بعض الصهاينة بهدف تحرير رفاق، وأخوة وأخوات، يرسفون في الأغلال منذ سنوات.
لم تأت الرياح بما يشتهي زورقكم، فاضطررتم للدفاع عن أنفسكم، فاستشهد اثنان، وأسرت وصاحبك أحمد.
أنت يا سمير حكموا عليك 542 سنة ..فقط!
لكنك تحلّق اليوم في سماء لبنان، تعبر جبالاً، وسهولاً، وغابات، وفي ذاكرتك المكتظّة تعود ملامح وقامات رفاق رحلوا، ودفنوا في مقابر الشهداء المنتشرة في أكثر من مدينة عربيّة، أو ذابت أشلاؤهم في تراب لبنان، وفلسطين، علي قمم الجبال، وفي السهول، أو طوتهم أمواج البحر الذي حمل زورقكم.
الطائرة تهدر عابرة فضاء لبنان الجنوبي، وأنت تتأمّل الغابات، وشعاب الوديان، والذري، قارئا بطولات من هزموا العدو عام 2000، وأذلوه في الحرب التي لن ينساها عام 2006، تلك الحرب التي اندلعت من أجل حريّتكم، أنتم الأسري، والشهداء والشهيدات (الأرقام)!.
ستهبط الهليوكبتر بك وبأخوتك في مطار بيروت، لاستقبالكم رسميّا، ومن بعد تنتقل لمسافة قصيرة فإذا بك في بيتك، في (خلدة) التي استشهد علي ثراها العقيد البطل عبد الله صيام دفاعا عن (بوابة) بيروت، ومعه تسعة من خيرة رجاله.
من مطار بيروت، من الاستقبال الرسمي ستنتقل إلي الاستقبال الشعبي في (خلدة)، لتلتقي علي اسم فلسطين، ولبنان، والعروبة، بحشود ما كانت تعرفك قبل ثلاثين سنة، ولا سمعت بك، وها هي اليوم ترفعك وتعلنك بطلها بجدارة، رمزا للصبر، والصمود، وصلابة الجوهر.
هذه جموع يا سميرلا تزحف للترحيب بحاكم بكّل هذا الحبّ، فلقاؤها اليوم بك هو استفتاء علي (المقاومة)، ومبايعة لها في فلسطين، ولبنان، والعراق.
السيّد حسن ليس حاكما، ولكنه بطلها، ورمزها، ولذا ترفع صوره حتي في الأزهر الشريف!
من أرض الجنوب المنتصر، وحتي بيروت، ستزحف الجموع لتلقي ببطلها الذي لم يخنع في السجن، وتعايش مع قضبان الزنزانة، ووثق بأن أخوة السلاح لن يتركوه في الظلام للنسيان ولعدو لئيم حقود عنصري.
من قري الجنوب، والشمال، من بيروت العنيدة بطلة 1982، بطلة المقاومة التي انطلقت شرارتها من شارع الحمرا برصاصة من مسدس فتي لبناني جسور نفّذ حكم الإعدام في ضابط مستهتر، جلس في (الومبي) مسترخيّا، غافلاً، وفي ظنّه هو وجيش الاحتلال أن بيروت العريقة ..استسلمت، أسلمت مفاتيحها، وأقدارها، فإذا بها أوّل مدينة عربيّة تتحرّر بالمقاومة، ولا تكتفي فتلاحق محتلّي لبنان..وتقهرهم !
من مخيمات الشهداء، والفقر، والجوع، والمعاناة، ستزحف جموع الفلسطينيين لاحتضانك، وستكلّل رأسك براية فلسطين، فأنت ابن فلسطين، كما أنت ابن لبنان، وابن كل العرب، وكّل الأرض العربيّة التي تري فيك كبرياء المقاوم والمقاومة .
أنت يا سمير عرفت دورك، ورسالتك، والهمّ الجليل الذي حمّلتك إيّاه أمتك، فكنت علي قد الحمل وزيادة، ومع كّل المعاناة في الأسر لم تقنط، وها أنت تنتصر علي السجن، والقضاة المجرمين الذين اصدروا عليك أحكام المؤبدات لتكون عبرةً، والأطباء الذين لم يخرجوا الرصاصة من رئتك لتتعذّب ليل نهار في عتمة السجن، وأجهزة الموساد التي لم تبق لديها وسيلة للحرب النفسيّة التي شنّتها عليك لتحطيم روحك .
بلغتك أنباء الانكسارات فازددت تشبثا بفلسطين!
تابعت أنباء التنازلات، فعاهدت فلسطين وأنت في زنزانتك علي القبض علي جمرها.
آخيت الرصاصة التي في الصدر لصق الرئة، وبالقليل من الأكسجين الذي يدخل قصباتك الهوائية، همست لها: أنت عربيّة يا فلسطين، لنا معك دم ولحم وتراب وتاريخ وجغرافيا و..مستقبل .
يا سمير، قبل أيّام أوحي لنا غسّان بن جدّو، في الحلقة الخّاصة من (حوار مفتوح)، بأن اللقاء القادم سيكون مع بطل غير عادي.
هكذا وعدنا في الحلقة التي أعدها بمناسبة الذكري الثانية للحرب الصهيونيّة العدوانية علي لبنان، التي تبهدل فيها جيش العدو، وانهارت قيادته في الميدان أمام بضعة ألوف من المقاومين، و..في مواجهة شعب لبنان العنيد، الذي لم تهن عزيمته تحت القصف التدميري غير المسبوق في أية حرب عشناها أو سمعنا عنها، اللهم سوي ما جري لمدينة (دريسدن) الألمانيّة، التي هدّمتها طائرات الحلفاء في الحرب العالميّة الثانية.
غسان بن جدّو أوحي لنا بأننا يوم السبت القادم سنلتقي ببطل غير عادي ..ألست أنت البطل غير العادي يا سمير؟ أيكون أن نراك علي الشاشة مباشرة ً أيها الحبيب، ونسمع منك القليل مّما رغبنا أن نسمعه ومنذ سنوات، بصوت عال رغم آلام الثلاثين عاما سجنا؟!
أمنيّة نريدها أن تتحقق، ها هي علي مقربة من العين، والقلب، والروح.
يا سمير، ملايين العرب باتوا يعرفونك، ولذا لن يكون الوصول إليك لمعانقتك سهلاً، وإن كنت سأبذل جهدي لمعانقتك، فمن حق كل عربي تابع وقرأ مواقفك وكلماتك الصادقة في كل مفصل نضالي، لبناني، فلسطيني، ومن أي قطر عربي، أن يعتبر نفسه صديقا لك.
من حقّ (أم جبر وشاح)، رفيقك في السجن، الذي تحرر منذ سنوات قليلة، والتي تبنّتك لسنوات فصرت فلذةً من كبدها، والتي التقيتها شخصيّا قبل سنتين في بيروت، وكانت في زيارة لأسرتك في الجبل، في قريتك مسقط رأسك( عبيّة)، وحملت في قلبها حب ووفاء فلسطين، ومضت إلي ذويك ومعها رفيقك جبر وشاح، ابنها المثقّف المناضل الميداني الكبير، شقيقك في (التجربة)، ليجتمع شمل الأسرة الواحدة، اللبنانيّة الفلسطينيّة ..أن تفرح، وتزغرد، هناك في غزّة، وآه لو كان معبر رفح مفتوحا، لنلتقي بها في بيتك، رغم عناء السفر علي السيّدة - الأم، التي بلغت الثمانين، ونفرح بفرحة لقاء الابن اللبناني وأمه الفلسطينيّة.
قبل سنوات يا سمير الغالي، وبعد أيّام من عملية (جمال عبد الناصر)، التي قدتها، وقفت خطيبا في عاليه، في حفل تكريمي لك ولرفاقك، وخاطبت السيّدة التي رعتك، وأهلك في الجبل، وأقسمت أن من يعش منّا سيلتقي بسمير، وأن سميرا سيتزوّج، وينجب، ويكتب تجربته، ويضيف خبرةً لمن سيأتون بعده.
ها هو الأمل يتحقق، لا بالمساومة، ولكن بالمقاومة.
يا سمير، هناك رجل بعمامة، أري ابتسامته الرائقة الواثقة، وهو يتابع عمليّة نقلك وإخوانك من أرض الجنوب محررين، محلّقين في سماء لبنان، و..بلقائكما ستري الأمّة صورة تليق بكما: السيّد بوعده الصادق وأنت بصبرك وصلابتك، وابتسامتكما تضيء في قلب كّل عربي مؤمن ومحب لفلسطين، فخور بلبنان المنتصر بمقاومته، لا بضعفه، والذي (أهدي) العرب أعظم الانتصارات في زمن اليأس والخراب.




اعتقال البشير: نعم للعدالة.. لا للتسييس

عبد الباري عطوان
قرار المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية بإلقاء القبض على الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، يؤكد شكوك الكثيرين بأن الإدارة الأمريكية الحالية، ومعها العديد من الدول الغربية تتبنى استراتيجية تهدف إلى تفكيك معظم الدول العربية والإسلامية، وتحويلها إلى دول فاشلة، وإلحاق أكبر قدر من الإذلال بها وزعمائها.
نقر ونعترف بأن الغالبية الساحقة من الزعماء العرب فاسدون وديكتاتوريون وقمعيون وصلوا إلى السلطة بطرق غير مشروعة، إما بالانقلابات العسكرية، أو عبر وراثة غير دستورية، ولكننا نرفض طرق التغيير الأمريكية، لأنها لا تنطلق من مصالح الشعوب العربية ورغبتها الحقيقية في إقامة أنظمة ديمقراطية وطنية عبر صناديق اقتراع في انتخابات نزيهة شفافة، وإنما من مصالح الولايات المتحدة في الهيمنة والنهب الممنهج للثروات النفطية، وتكريس إسرائيل زعيمة للمنطقة، وما يحدث حاليا في العراق وأفغانستان الدليل الأبرز في هذا الصدد. إذا كان لا بد من محاكمة الزعماء العرب ومعظمهم ارتكبوا جرائم في حق شعوبهم، فيجب أن تكون هذه المحاكمات عربية شعبية من قبل أنظمة ديمقراطية أو محاكم دولية عادلة دون أجندات خفية.
الرئيس السوداني عمر البشير لا يواجه هذا الاستهداف الأمريكي المتستر خلف محكمة الجنايات الدولية بسبب الاتهامات بارتكاب قواته مجازر في دارفور، وإنما لأنه شق عصا الطاعة على إدارة أمريكية تريد طمس هوية بلاده العربية والإسلامية، وضرب وحدتها الوطنية، وتفتيتها إلى جمهوريات متصارعة مثلما هو الحال في منطقة البلقان والعراق، فلو أنه أيد الاحتلال الأمريكي للعراق، ووقف في معسكر دول الـ»مع» الذي بارك وجود نصف مليون جندي في الجزيرة العربية تحت ذريعة تحرير «الكويت»٬ لأصبح الزعيم الافريقي الأقرب إلى قلب الإدارة الحالية.
نحن لا نبرئ حكومة الرئيس البشير تماما من ارتكاب تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور، فهذه الحكومة تتحمل المسؤولية الأكبر في كل ما حدث ويحدث، لأن هذا الإقليم سوداني، وأهله سودانيون، وحماية الحكومة لهم واجب أخلاقي وقانوني، بغض النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم. ومن المؤسف أن حكومة الخرطوم المركزية انحازت إلى طرف دون آخر، أو قبيلة في مواجهة أخرى، دون أن تتبصر بالعواقب المترتبة على تصرفات ومواقف كهذه داخليا ودوليا.

الأنظمة العربية لا تتعظ، ولا تتعلم من أخطاء غيرها، وتحتكر الحكمة والرأي السديد، وتجرم كل من يخالف سياساتها، وتصدر اتهامات ظالمة في حق جميع المعارضات بالعمالة، والارتباط بالاستعمار. وعندما تقع في حفرة حفرتها بنفسها تطالب الجميع بالالتفاف حولها، والتضامن معها، وإلقاء حبل الإنقاذ لانتشالها.
النظام السوداني ليس خاليا من العيوب والنواقص، ولكنه اقدم على خطوات في السنوات الأخيرة من حكمه تؤكد حسن نواياه تجاه معارضيه من مختلف الاتجاهات السياسية والعرقية، فقد تصالح مع المعارضة الشمالية، وشاهدنا السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة والسيد الميرغني زعيم الحزب الاتحادي، وكل الرموز الأخرى تتمشى في شوارع الخرطوم بحرية وتصدر صحفا، وتعقد الندوات، ولم يبق واحد منهم يصدر بيانات في لندن أو أسمرة. وتابعنا خطوات النظام السوداني الحثيثة لحل مشكلة الجنوب وتوقيع «اتفاق أبوجا» وتطبيق بنوده جميعا رغم ما فيها من جور وتقسيم غير عادل للثروة النفطية. والأهم من ذلك أن النظام التزم بانتخابات ديمقراطية نزيهة في العام المقبل واستفتاء يسمح للجنوبيين بتقرير مصيرهم عبر الخيار بين البقاء في نظام اتحادي أو الانفصال.
هذه المرونة لم ترق للولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، لأنها تقطع الطريق على مخططاتها التفتيتية للسودان وباقي الدول العربية والإسلامية، فضخمت أزمة دارفور بطريقة مبالغ فيها، وذهبت إلى المحكمة الجنائية الدولية لاستهداف رأس النظام، وإذكاء نار الفتنة العرقية، تماما مثلما استخدمت الفتنة الطائفية في العراق ولبنان.
جامعة الدول العربية أعلنت عن اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب يوم السبت المقبل لبحث قرار اعتقال الرئيس السوداني، وهو أمر متوقع للإيحاء بأن هناك جامعة عربية ما زالت في حال حراك، ولكن هؤلاء الوزراء الذين لم يستطيعوا فتح «معبر رفح»، أو إرسال طائرة مدنية واحدة إلى مطار طرابلس الليبي في زمن الحصار، هل سيحمون الرئيس السوداني من المحكمة الجنائية ومدعيها العام؟

نصيحتي إلى الرئيس السوداني أن لا يعوّل كثيرا على الزعماء العرب، وأن لا ينتظر منهم غير ما انتظره زميله الراحل صدام حسين، والحالي معمر القذافي. فهؤلاء متواطئون في معظمهم، ومحايدون في أفضل الحالات. يأتمرون بأمر أمريكا وينفذون تعليماتها حرفيا. أليسوا هم الذين أيدوا العدوان على العراق، وفتحوا أراضيهم وقواعدهم العسكرية لانطلاق القوات الأمريكية صوب بغداد؟ وهل اعترض أي منهم على المحاكمة الظالمة المزورة، وإعدام الرئيس العراقي يوم عيد الأضحى المبارك؟
نقول للرئيس عمر البشير بأن يذهب إلى الاتحاد الافريقي، لأن زعماءه رجال قادرون على أن يقولوا «لا» لأمريكا، ومستعدون لنصرة أشقائهم، فهم الذين كسروا الحصار على ليبيا ونزلوا بطائراتهم في مطارها في تحد واضح لأمريكا وقراراتها٬ بينما كان الزعماء العرب يخفون رؤوسهم في الرمال مثل النعام، وإذا قرروا الذهاب إلى ليبيا فبإذن من أمريكا وتصريح من مجلس أمنها.
مسؤول ليبي اعتذر عن عدم ذكر اسمه، قال لي إن الرئيس حسني مبارك كان يعرج على ليبيا في كل مرة يزور فيها واشنطن ويلتقي رئيسها. وكان يحرص عندما يلتقي الزعيم الليبي معمر القذافي على أن يقول له إنه أبلغ الرئيس الأمريكي بضرورة رفع الحصار عن ليبيا، وإن الزعيم القذافي «تغير» ومستعد لنبذ الإرهاب، والتخلي عن كل الجماعات الإرهابية، والاندماج في المجتمع الدولي.
وهنا، وبعد الاستماع إلى هذه المحاضرة الطويلة، يكتم الزعيم الليبي غيظه ويقول له، بعد أن نفد صبره تماما:
طيب.. طيب.. ولكن ماذا كان رد الرئيس الأمريكي «شنو قال لك؟». وهنا يعود الرئيس مبارك إلى تكرار الأسطوانة نفسها ويبدأ بالقول: أنا قلت للرئيس بوش أو كلينتون من قبله، كذا وكذا وكذا.

النظام السوداني يملك أوراقا كثيرة يستطيع لو استخدمها أن يقلب معادلات كثيرة في المنطقة، ويلحق أذى كبيرا بالولايات المتحدة وحلفائها، فالرئيس البشير ليس بالرجل السهل، ونظامه الذي واجه أزمات تعجز الجبال عن تحملها لن يستسلم بسهولة. ولا نبالغ إذا قلنا إن النظام المصري الذي ساهم بدور كبير في إلحاق أشد أنواع الأذى بالسودان وأنهكه تماما بتحالفه مع المعارضات السودانية، والانفصالية منها على وجه الخصوص٬ انتقاما من اتهام السودان بدعم محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، سيكون هذا النظام هو المتضرر الأكبر، لأن تحول السودان الى دولة فاشلة في حال انهيار مؤسساته الدستورية ونظامه الحاكم، سيعني حرمان مصر من أهم حليف عربي في حوض وادي النيل، وبالتالي من حصتها الأضخم من مياه وادي النيل (54 مليار متر مكعب من 84 مليارا).
تفكيك السودان ستكون له مخاطر أكبر من تفتيت العراق، ويكفي أن تنظيم «القاعدة» سيكون أول من سيحط الرحال على أرضه، ويفتح فرعا له، أو بالأحرى إعادة إحياء فرعه القديم الذي أسس لانطلاقته الحالية في الخرطوم.
الإدارة الأمريكية لم تتعلم من تجربتها الافريقية في الصومال عندما أطاحت بنظام محمد سياد بري بحجة اشتراكيته، وأوجدت نظاما فاشلا ما زال يشكل صداعا إقليميا لكل دول شرق افريقيا، وهو صداع مرشح للتفاقم مع نمو تنظيم «القاعدة»، على أرضه، وتورط اثيوبيا، نيابة عن أمريكا، في حروبه الأهلية.

المحكمة الجنائية الدولية تثبت بقرارها هذا في حق الزعيم السوداني أنها محكمة مسيسة جرى إعدادها خصيصا لاستهداف الزعماء الذين تستهدفهم الإدارة الأمريكية، ولو كانت غير ذلك لكان الرئيس جورج بوش الابن، وحليفه توني بلير أول من يقفون في قفص اتهامها، فهذان هما اللذان ارتكبا جرائم في حق الإنسانية، ومارسا التطهير العرقي في أبشع أشكاله عندما أقدما على غزو غير قانوني وغير أخلاقي، قائم على أكاذيب للعراق، وتسببا في تمزيقه وقتل مليون ونصف مليون من أبنائه وتشريد خمسة ملايين آخرين، أي ضعف مشردي دارفور مرتين. لا ننسى ايضا جرائم الإسرائيليين في حق الإنسانية، ويكفي ما قاله القس ديزموند توتو في هذا الشأن عندما زار قطاع غزة مؤخرا، فلماذا لا نری شارون وأولمرت في قفص الاتهام؟
الرئيس البشير سيتجاوز هذه الأزمة، ليس لأنه يملك خبرة ضخمة في الصمود في وجه الأزمات، وإنما لأنه يرتكز على شارعين، سوداني وعربي، يدعمانه في معظمهما، وقارة افريقية بكاملها، وهي القارة التي أطاحت بالنظام العنصري في جنوب افريقيا وكسرت الحصار عن ليبيا، ووقفت إلى جانب روبرت موغابي رئيس زيمبابوي في معركته مع أمريكا وبريطانيا.
تجاوز الأزمة هذه مرهون بشرط واحد، وهو أن يتخلى الرئيس البشير عن الكثير من عناده تجاه المعارضة السودانية الداخلية، والتراجع عن ممارسات مؤسفة في حق بعض القوى السياسية بإبعادها كليا عن أي مشاركة في الحكم أو حتى المشورة. فهذا هو وقت تعزيز الوحدة الوطنية، ليس من أجل حماية النظام وإنما حماية السودان وهويته ووحدته الترابية.

الغذاء العربي فجوة يمكن ردمها

عدنان برجي

تصاعدت في الآونة الأخيرة، أزمة الأمن الغذائي العربي، أمام زيادة تضاؤل فرص الحصول على القمح والدقيق والحبوب بشكل عام، وقد رأينا "الطوابير" تزدحم طويلة أمام الأفران في اكثر من بلد عربي، وزاد من حدة الازمة،

ارتفاع الأسعار للمواد الغذائية، اذ ان معظم الدول العربية، ربطت اقتصاداتها بالدولار الأميركي، الذي تراجع بفعل ما تكبدته الإدارة الأميركية من خسائر في حربها على العراق، واختلاف حساب البيدر عن حسابات الحقل.

وقد دفع ذلك، أمين عام الأمم المتحدة، للتحذير من أخطار الجوع القادم، الى مناطق كبيرة في العالم، ضمنها المنطقة العربية، لأن العرب، وحسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الصادر عن جامعة الدول العربية، في ديسمبر 2007، يستوردون ما قيمته 35.5 مليار دولار من الانتاج الزراعي، ويصدرون بما قميته 10.7 مليار دولار أي ان العجز المحقق للعام 2006، بلغ 24.6 مليار دولار. وهذا الرقم قابل للازدياد للأسباب التالية:

1 – تزايد عدد السكان العرب ، فمعدل الزيادة يبلغ 2.4 في المئة سنوياً. لقد كان عدد السكان العرب في العام 1970، حوالي 122 مليون نسمة وزاد في العام 2003 على الثلاث مئة مليون نسمة.. ويشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد، الى ان الفئة العمرية الأقل من 15 عاماً تمثل حوالي 35.8 في المئة من اجمالي السكان العرب، وذلك يعني تزايد الحاجة الى الغذاء.

2 – تزداد الحاجة الى المياه، وقد جاء في البيان الختامي للمؤتمر الدولي حول المياه والبيئة، والذي انعقد في وبلن عام 1992، ان الوضع المائي سينتقل من حالة الوفرة الى حالة الندرة، وبخاصة في المياه العذبة، ومعلوم ان العالم العربي، يعتبر الافقر ماءً بالمقارنة مع المناطق الكبيرة في العالم، وحسب، الاستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور عبد الأمير دكروب، فإن المعدل السنوي لنصيب الفرد من المياه العذبة في الوطن العربي تبلغ حوالي 1000م2 سنوياً، مقابل 7700 م3 في الدول المتقدمة.

وقد سطت "اسرائيل" على مياه فلسطين المحتلة، وعلى مياه الجولان السوري المحتل، ومياه اليرموك، وعلى مياه الحاصباني والوزاني في لبنان.

كما اقامت تركيا سدوداً على نهري دجلة والفرات، مما قلّل كثيراً من نسب المياه المتدفقة الى سوريا والعراق، وكل ذلك يؤثر سلباً على الناتج الزراعي العربي، سيما وان نسبة الأراضي العربية الصالحة للزراعة لا تشكل أكثر من 11 في المئة من مساحة الوطن العربي.

3 – غياب خطة عربية موحدة للأمن الغذائي العربي، حيث تسعى كل دولة عربية الى حل مشاكلها بنفسها، وكأنها قارة قائمة بذاتها، في ظل عولمة اقتصادية تفرض قيوداً على الدول الصغيرة، وتفرض عليها انماطاً اقتصادية لا تتوافق وطبيعتها وامكانياتها.

لقد توقع الكثيرون سابقاً، ان بلدان كالهند والصين مثلاً، قد تتعرض لمجاعات بسبب تزايد عدد السكان، لكن، وبسبب الانتباه لمخاطر الأمن الغذائي، فقد نجحت كلا الدولتين في تحقيق الاكتفاء الذاتي بفعل السياسات الزراعية التي اعتمدت..

وهنا يُطرح السؤال، هل يمكن للوطن العربي تحقيق الأمن الغذائي، أم أن قدره ان تبقى الفجوة الغذائية، وتبقى الإرادة العربية رهينة القوى الخارجية؟؟

لقد عمدت جامعة الدول العربية، الى اعداد دراسة جدوى لاستثمار الأراضي الزراعية في السودان، الذي تبلغ مساحته 2.5 مليون كلم2، وتتصدر فيه المناخات، مما يسمح بتنويع الزراعات، وينعم بوفرة مائية عادية وجوفية، وقد خلصت هذه الدراسة الى ان المطلوب لا يتجاوز العشرين مليار دولار، وحين يتوفر ذلك يتأمن الغذاء العربي لكل العرب.

ذلك يؤكد، مرة أخرى، أن التكامل العربي، مدخل لحل أصعب المشاكل وأخطر الأزمات.. وما المبالغ المطلوبة سوى نذر يسير من مردود النفط، حيث من المقدر ان يبلغ حجم العائد من النفط العربي ما يقارب الـ 800 مليار دولار في العام 2008. وفي حال تحسن الظروف المعيشية للانسان العربي، يخفف كثيراً من الاحتقان الذي يولّد التطرف والنزاعات، ويقلل من فرص الخلافات العربية – العربية.



2008/07/06

حين يكون المثقف ذا رؤية

عبد الوهاب المسيري:

حين يكون المثقف ذا رؤية

معن بشور

4/7/2008



يمكن للمكتبة العربية والعالمية ان تضم اكثر من ستين كتاباً على الأقل عن المفكر والمناضل الكبير الراحل عبد الوهاب المسيري، اي ان تضم عدداً من الكتب يوازي عدد الكتب التي اصدرها هذا المثقف الاستثنائي في الحياة العربية، بل يمكن لاي باحث متعمق ان يصدر موسوعة كاملة عن الراحل المتميز بموسوعية مداركه تتضمن سيرته، مراحل تطوره الفكري، الموضوعات التي أحاط بها، الكتب التي اصدرها، المفردات التي نحتها مبكراً ومنها عبارة "نهاية التاريخ" قبل هانتغتون بربع قرن، لكن يمكن ايضاً ان نلخص حياة المسيري وعطاءه بعبارة واحدة: كان مثقفاً ذا رؤية .

والرؤية لدى المثقف – من امثال المسيري – هي حصيلة الجمع بين ثقافة وخبرة واخلاص وايمان في آن، هي نوع من سباق الحواجز الذي يجد فيه الرياضي نفسه مضطراً للركض وللقفز فوق الحواجز التي تعترضه دون ان يتعثر او يتأخر او يهوي، بل هي نوع من الاشعة فوق الحمراء التي يخترق عبرها الجندي عتمة الظلمة فيرى امامه بوضوح، بل هي نوع من "القراءة العلمية" في "فنجان" المستقبل فلا تخطئ التوقعات او تخيب.

الرؤية لدى مثقف حقيقي كالمسيري تكون مدعاة للسخرية والاستهزاء احياناً حين تعلن، وكثيراً ما تجلب لصاحبها اتهامات من نوع "الخيالية"، و"المثالية"، و"المفكر الرغبوي"، و "اللاواقعية" فيبدو صاحبها ديناصوراً من الماضي السحيق، او احد اخر "الموهيكان" الذين لم ينقرضوا بعد، ولكن هذه الاتهامات تُطوى على عجل حين تتضح صوابية الرؤية مع الزمن الذي قد يكون بعيداً في بعض الاحيان.

والرؤية مع مثقف متمرس بالنضال كرئيس حركة كفاية المصرية عبد الوهاب المسيري هي ثمرة تلاقح خلاق بين النظرية والممارسة، بين الفكر والعمل، بين المخزون الثقافي والواقع الحي، فالنظرية ترشد الممارسة فيما الممارسة تثري النظرية، والفكر يحصن العمل بينما العمل يغني الفكر، والمخزون الثقافي يضيء الاتجاه فيما ادراك الواقع الحي يقي المسيرة من العثرات.

الرؤية مع مثقف اصيل مسلح بالعلم ، عابق بالايمان، كالمسيري، هي ذلك الدافع الجارف لكي ينقطع ذلك المثقف عن كل مغريات الدنيا من جاه او مال او نفوذ ليحمل رسالة، ويطوّر افكاراً، ويحرص على الانسجام بين القول والعمل، فينتقل من المكتبة الى السجن، ومن البحث العلمي في الجامعة الى النضال الشعبي في الشارع، ومن حلقات النقاش الفكري الى مسيرات الغضب الجماهيري.

لذلك، لم ينبهر المسيري بقوة الصهيونية وهي في ذروة الغطرسة بل رأى عناصر تآكلها فيما كان كثيرون يتعاملون معها كقدر لا بد من الاذعان لمشيئته ولم يصدق الراحل الكبير "بخلود" المشروع الامبراطوري الامريكي بل رأى ان قانون "التغيير" ينطبق عليه، كما انطبق على غيره، وربما بسرعة اكبر.

ومن رأى المسيري في اخر مقابلاته المتلفزة مع احمد منصور في "الجزيرة" يتحدث بايمان المناضل ومعرفة العالم عن الترهل في المجتمع الصهيوني، وعن التفكك في كيان بات اكثر سكانه راغبين في الهجرة منه وباتت الغالبية الساحقة من مواطنيه لا ترى فيه دولة آمنة، بل ان من شاهد صورته على الشاشات، وهو المثقل بالمرض العضال، يقود في الشارع، قبل اسابيع، انتفاضة الجياع من ابناء بلده، ومن التقاه واستمع اليه يتحدث عن حرب تموز 2006، وعن مقاومة فلسطين والعراق، بحماسة لم تخفف من حرارتها الالام، يدرك ان هذا المفكر الكبير قد اغمض عينيه للمرة الاخيرة وهو مرتاح البال، مطمئن النفس، الى ان رؤيته تسير في الاتجاه الصحيح، وان مقاومة امته، تشق "مسيرتها" بنجاح، وكيف لا وهو "المسيري" الذي "وهبه" الله من العلم والخبرة والنظرة الثاقبة ما جعل "رؤيته" صائبة وثاقبة.

رحم الله الرواد الكبار من امثال عبد الوهاب المسيري، كما نصر الله المقاومين والمجاهدين الذين يجعلون من رؤى امثال هؤلاء الرواد حول مصير اعداء الامة رؤى دقيقة وصحيحة.

ليسوا سواء

بسم الله الرحمن الرحيم



ليسوا سواء

د. مخلص الصيادي



ليس الناس في أوطانهم سواء، وليس المفكرون في عطاءاتهم سواء، وليس الرجال في مواقفهم سواء، من هؤلاء من يكون عالة على وطنه، ووبال في فكره، وإمعة في مواقفه، ومنهم من يرتفع الوطن معه، يحلق الوطن به، وأمثال هؤلاء قليل لكنهم على قلتهم يقدمون الدليل على ثراء الوطن ، وعظم مخزون الأمة وذخيرتها .

وأعظم من هؤلاء القليل، وأندر منهم، من يتساوق فيه عطاء الفكر وعطاء الموقف، ويتنافس عنده دفق الفكر والرؤية مع صلابة الموقف الكفاحي ووضوحه، ومن هؤلاء ، بل وفي طليعة هؤلاء في هذا العصر يبرز الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي رزئنا والأمة جمعاء بفقده في الثاني من يوليو .

والمسيري الذي صارع المرض كثيرا وطويلا ، رفض على الدوام أن يقعده المرض الخبيث عن الغور بمبضع الفكر الحاذق الذي تملكه عن متابعة ما حل بهذا الوطن من أمراض خبيثة ، وما تكالبت عليه من أوبئة قاتلة ، وما امتحن به من قيادات وقوى تابعة مضللة ، فراح يكشف جذور هذه الأوبئة ، ويؤصل ويسلط الضوء على مداخلها ، ويرشد الى طرق مواجهتها ، ثم لم يكتف بذلك ،ـ وكان يكفيه ذلك ـ وإنما راح يناضل بقوة ، وصلابة ، ومثابرة ضد هذه الظواهر داخل الوطن وخارجه ، ليؤكد مرة أخرى أن المثقف الحقيقي ، والمفكر الحقيقي ، والصادق الحقيقي ، هو الذي يضبط حركته ونضاله على إيقاع فكره ورؤاه ، ليكون بذلك المثل لجناحي التغيير والثورة : الفكر والحركة ، الرؤية النظرية والنضال الجماهيري .

والمسيري رحمه الله ينتمي الى أولئك الصنف من الرجال الذي ذهبوا الى المجتمع الأمريكي وعبوا من علمه ما وسعهم حتى تملكوا كل أدوات التحليل، ومفاتيح التفكير، ونظريات التغيير والفهم، ثم عادوا الى وطنهم أكثر ارتباطا به، وأكثر انتماء لقواعده المؤسسة، وأكثر استعداد لكشف كل الثغرات التي تخترق جسد هذا الوطن ومؤسساته ، وأكثر اندفاعا للعمل الميداني في هذا السبيل .

لم التق الدكتور المسيري وجها لوجه ـ وكنت أتمنى ذلك ـ لكني التقيته من خلال عدد من كتبه وأبحاثه، خصوصا تلك التي تتحدث عن الصهيونية " موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الصهيونية: نموذج تفسيري جديد"، وتلك التي تتحدث عن العلمانية "العلمانية الجزئية العلمانية الشاملة"، وكتابه"الحضارة والإنسان" المتصل بما سبق.

كذلك تابعته وهو يناضل في صفوف حركة كفاية ضد الاستبداد ، والفساد ، وتوريث الحكم ، وضد الرضوخ للإستراتيجيات الأمريكية ، داخل مصر وفي أقطار الوطن العربي التي احتلت بالجيوش الأمريكية، أو بالإرادات الأمريكية، وفي العالم الاسلامي، وضد العولمة، لقد كان المسيري في هذه المواقف العملية رائدا، فالذي وصل في تحليله العلمي سواء في موسوعته عن الصهيونية، أو في موسوعته عن العلمانية الى هذا التحليل العلمي الدقيق والقطعي الى هذه الطبيعة الوحشية وغير الإنسانية للإمبريالية الأمريكية، لا يمكن له أن يجد موطئ قدم مع هذه السياسات والاستهدافات، ولا بد أن يكون موقعه النضال دون حدود ودون هوادة ضد الإمبريالية والصهيونية، وتداعياتهما واستطالاتهما داخل أوطاننا وعبر العالم كله .

ولقد كان مما أدخل على قلبي حزنا عميقا، ودفعني الى حالة من الغثيان، الممزوج بالغضب، ذلك المشهد الذي نقلته كاميرات التلفزة في مارس من العام الماضي حينما كان المسيري يقود حركة الاحتجاج على التعديلات الدستورية التي أقرها مجلس الشعب المصري، وظهر في ذلك المشهد كيف تحاول عصا السلطان أن تعلوا هامة المفكر المناضل، ظهر المسيري وهو يقاوم جحافل الأمن المركزي، عصا النظام الفاقد للأهلية، عصا الحاكم العاجز عن كل شيء إلا الطغيان على الأمة ورجالاتها، ورموزها وحقوقها، ومستقبلها.

لكن في خضم هذا المشهد المخزي للنظام، والمشرف للمفكر، استرجعت جوهر هذا الموقف، ومعناه الحقيقي فالمسيري هنا يقدم النموذج للمفكر والعالِم الذي لا تشده مكانته العلمية عن الانخراط في العمل الجماهيري، ولا يقعده تقدم العمر، ولا يعجزه تراجع الصحة عن المبادرة بالمساهمة الفعالة في درء الخطر عن شعبه وأمته.

رحم الله عبد الوهاب المسيري ، في سيرته الذاتية أنه من مواليد 1938،وانه درس الأدب الإنجليزي في جامعة الإسكندرية ، ثم ابتعث الى الولايات المتحدة عام 1963 لاستكمال تخصصه في اللغة وآدابها، وقد أعطى في هذا المجال كثيرا ويدل إنتاجه في هذا المجال على سعة عطائه ، ومن هذا المدخل، وبأدوات البحث والتحليل العلمي التي أتقنها ، ولج الى دراسة الصهيونية، والعلمانية والحضارة والحداثة فأبدع وتميز، ومن مظاهر غناه الأدبي أن له تجربته الشعرية وأنه كتب قصصا للأطفال وشعرا للأطفال.

رحم الله المسيري، لو كان في غير هذا الزمان، لكان له شأنا آخر، ولعل لأمثاله في غير هذا المجتمع شأن مختلف، لكن الله بحكمته الجليلة، جعل المسيري ـ وأمثاله على قلتهم ـ في هذا الزمان، وفي هذا المجتمع، وبين أحضان هذه الأمة ليكون عليها شاهدا وشهيدا، وليكتمل عطاؤه ومكانته، قدوة معاصرة يتقوى بها كل المفكرين، وكل المناضلين، وكل أصحاب الضمائر الحية, فترتفع بذلك مكانته عند ربه، فله من هذا العطاء: الفكر والقدوة أجره وأجر من علم وعمل متأثرا به الى يوم القيامة.

رحم الله عبد الوهاب المسيري، واسكنه فسيح جناته، والهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وعوض أمته عنه بالخير والبركة.



الشارقة 3 / 7 / 2008